نمتار / د. ناصر زيدان
تجنَّبت سوريا الدخول في الحرب التي دارت في المنطقة، برُغم أنها قريبة منها، ومؤثرة عليها، والطائرات والمُسيرات والصواريخ التي شاركت في القتال؛ مرَّت في أجوائها، وبعضها سقط على ترابها، وتحدثت معلومات عن استخدام بعض الأطراف المشاركة بالحرب لأسلحة وذخائر كانت مركونة في مستودعات على حدودها، وإسرائيل استغلَّت فوضى التقاتُل لتزيد من منسوب انتهاكها للسيادة السورية، ولتوسيع رُقعة احتلالها لبلدات استراتيجية في الجنوب، وهي تدخَّلت بالشأن السوري الداخلي لصالح مجموعات تدور في فلكها لضرب استقرار البلاد ووحدتها، مما أدى الى إحداث شرخ سيسيو بوليتيكي بين بعض مكوناتها.
وقف إطلاق النار، والهدنة التفاوضية بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من جهة وايران وحلفائها من جهة ثانية لم يُعطِيا استراحة للدبلوماسية السورية، بل سلَّطا الضوء على تحديات جديدة قد تواجهها دمشق. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث أكثر من مرَّة عن إمكانية قيام سوريا بدور أمني في لبنان، وإسرائيل شرَعت في انتاج المزيد من المُعوقات أمام دولاب التعافي السوري. وإعادة توزيع الأدوار الاستراتيجية في المنطقة العربية وفي الشرق الأوسط، لا يمكن لها أن تمرّ من دون لحظ أهمية دور دمشق ومحوريته.
وسط كل هذه التداعيات والتفاعلات؛ تنكبّ الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع على انتشال الوضع الاقتصادي من كبوته، وتنشغل في لملمة التوترات الداخلية الناتجة عن تداعيات الصراع المُسلَّح الذي استمرَّ 10 سنوات، وهي نجحت في توفير بعض الاستقرار المالي والمعيشي بمساعدة من دول عربية وأجنبية، لكنها أخفقت في ضبط المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، خصوصاً في تركها لمجموعات مُتفلِّته ومتطرِّفة تستبيح المشاعر، وتمارس الانتقام من دون ضوابط، وهذا الأمر أثقل مهمة الحكومة، وحمَّلها أوزار جديدة، عالجت بعضها في الشمال الشرقي للبلاد، ولكنها لم تنتهِ من معالجة مشكلات الساحل والجنوب على الشاكلة المطلوبة.
لدى حكومة الرئيس الشرع استراتيجية لاستعادة التعافي والنهوض، والواضح أن أولوياتها ترتكز على توفير ظروف مناسبة لدور مهم تقوم به في سياق الحراك السياسي والاقتصادي الذي يجري. وبينما هي تتجاهل بعض الاستفزازات الخارجية والداخلية كي لا تنشغل فيها بالكامل؛ تجهد لتوليف برامج استثمارية في غاية الأهمية، وإذا ما نجحت فيها، ستتحوَّل خلال وقتٍ قصير الى ملتقى اقتصادي هام، وعبرها ستُرسم ملامح حراك تجاري ونفطي، يختلف عما هو عليه الوضع الآن، وقد يؤدي هذا الحراك الى الاستغناء عن ممرات استراتيجية مُهددة بالفوضى، وربما يحصل تبديل على خريطة طريق المعابر التي تمَّ الاتفاق عليها في أيلول/سبتمبر 2023 (الممر الهندي الى أوروبا) على وجه التحديد.
الاتفاقيات التي وقعتها سوريا مع دول الخليج العربي ومع تركيا ومع العراق ومع الأردن؛ ليست تفصيلاً في هذه اللحظة السياسية الهامة من تاريخ المنطقة. وقد بدأ بالفعل تنفيذ قسم من المشروعات الملحوظة، بما في ذلك إعادة ترميم خطوط جرّ النفط والغاز، وانشاء طرق وسكك حديد جديدة، والدول الأوروبية تتفاعل مع هذه الرؤى، كونها قد تتحوَّل بديلاً واقعياً عن ممرات مائية تواجه بعض الإعاقات أيام الأزمات والحروب.
كل ذلك لا يعني على الإطلاق أن المسالك السياسية والأمنية مُعبدة أمام الطموحات السورية، فالمؤيدون لإسرائيلي في الولايات المتحدة الأميركية تحدثوا علناً عن ضرورة استفادتها من المسارات الاستثمارية الجديدة التي يُعمل على تنفيذها في سوريا، او عبر أراضيها، وهؤلاء يضغطون على الإدارة الأميركية لإشراك إسرائيل في مشروع “كوريدور الشرق الأوسط تحديدا” وفق ما أوردته صحيفة ميدل إيست مونيتر في 25 يونيو/حزيران 2026. وقوات الاحتلال الاسرائيلي قادرةٌ على عرقلة الطُرُق التي تعبُر من الجنوب السوري، من خلال التواجد العسكري في عدد من بلدات محافظتي القنيطرة ودرعا، وبواسطة بعض المُتعاونين مع القوات الإسرائيلية في محافظة السويداء، وغالبية من هؤلاء كانوا من عداد القوات التي عملت مع النظام السوري السابق.
في الحسابات السياسية والاستراتيجية؛ لا يمكن التقليل من أهمية سوريا من موقعها الجغرافي الخاص، ومن حيث تكوينها السياسي، وكونها على تماس مع الملفات الساخنة في المنطقة برمتها. فسوريا كانت حجر الزاوية في تبدُّل موازين القوى في الشرق الأوسط وغرب آسيا، والتحولات التي حصلت فيها منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 أطبقت على المحور الإيراني، وربما عجَّلت بالحرب الساذجة الأخيرة. وواشنطن وتل أبيب تُدركان أن حربهما على ايران لم تكُن لتجري كما ظهرت لو بقيّ الحرس الثوري مسيطراً على سوريا. والمجهودات الإيرانية الكبيرة التي تُبذَل للإبقاء على نفوذ قرب سواحل المتوسط، وعلى تماس مع الاحتلال الإسرائيلي؛ استثمارٌ غير مضمون، لأن الدور السوري كفيل بتعطيل هذه الرؤى كما يرى الرئيس دونالد ترامب. والتأثير الإيراني على الملف الفلسطيني وعلى الاحتلال الإسرائيلي؛ لم يكُن ليحصل لولا المساعدة السورية في حقبة النظام السابق.
بيروت
تموز،/2026




+ There are no comments
Add yours