نمتار / أمل الجبوري
ليست السلطة في ذاتها هي القضية، وإنما الكيفية التي تتحول بها، في بعض المجتمعات، من وظيفة عامة إلى مركز جاذبية نفسي واجتماعي يستقطب الناس، ويعيد تشكيل علاقاتهم ومعاييرهم وأحكامهم. وما يثير التأمل أن هذه الظاهرة تبدو أكثر رسوخاً في بعض البيئات العربية، ولعلها تتجلى في العراق بعد عام 2003 بصورة تستحق الدراسة من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي، لا من باب الإدانة الأخلاقية، بل من باب محاولة الفهم.
وسأبقى هنا في حدود العالم الذي أعرفه عن قرب: عالم الشعر والثقافة، ذلك المحراب الذي ولدت فيه، وما زلت، رغم كل شيء، مصلوبةً على شغفه.
يستوقفني دائماً مشهد يتكرر في كل مناسبة ثقافية تقريباً: شاعر يتولى منصباً رفيعاً في الدولة، أو أديب يصبح مسؤولاً حكومياً، فإذا بالوجوه نفسها التي كانت بالكاد تلتفت إليه بالأمس، تتسابق اليوم إلى الاقتراب منه، وإحاطته بفيض من الثناء، والدعوات، وصور التذكار، وكلمات الإطراء التي تتجاوز حدود التقدير المشروع إلى صناعة هالة من التبجيل الشخصي.
ولا يتعلق الأمر بمهرجان شعري أو نشاط أدبي فحسب، بل يمتد إلى افتتاح معرض تشكيلي، أو صالون ثقافي، أو مناسبة اجتماعية قد لا تمت بصلة إلى اختصاص ذلك المسؤول. وكأن المنصب، لا المنجز، أصبح هو مصدر القيمة.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والاجتماعي: لماذا ينجذب الناس إلى السلطة أكثر من انجذابهم إلى المعرفة؟ ولماذا تتحول الوظيفة العامة إلى معيار للمكانة الثقافية؟
لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال من خلال التنظير المجرد، لكنني أستطيع أن أقارنه بما عشته في مجتمعات أخرى.
في ألمانيا، حيث عملت سنوات طويلة داخل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، لم أجد هذه المسافة الهائلة بين المسؤول والمواطن. وما زلت أذكر لقائي مع وزير الثقافة الاتحادي آنذاك، الفيلسوف البروفسور ندا روملين، عندما اجتمعت به بمناسبة افتتاح مؤسسة “ديوان الشرق والغرب”، التي انتُخبت لرئاسة مجلسها عام 2000.
كان مكتبه صغيراً في مبنى حكومي عادي، لا مظاهر فيه للفخامة. وعلى طاولة جانبية وُضع ترمس للقهوة وآخر للشاي، وكان الوزير بنفسه يقدم الضيافة لزواره لم يكن المشهد استثنائياً في الثقافة المؤسسية الألمانية، بل كان طبيعياً. وخلال الحديث سألني:
“إلى أي حزب تنتمين؟”
فأجبته مبتسمة:
“أنتمي إلى حزب الشعر.”
ابتسم بدوره وقال:
“إذن هو أخطر حزب على الإطلاق.”
لم تكن تلك الدعابة مجرد نكتة لطيفة، بل كانت تعبيراً عن ثقافة ترى أن المعرفة والحوار يسبقان المنصب، وأن المسؤول موظف في خدمة المجتمع، لا شخصية فوق المجتمع.
وفي اليمن، رغم تعقيدات الواقع السياسي، وجدت نموذجاً آخر لا أنساه، هو الشاعر الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح، الذي شغل مواقع رفيعة؛ فقد كان رئيساً لجامعة صنعاء، ورئيساً لمركز الدراسات والبحوث اليمني، ومستشاراً ثقافياً لرئيس الجمهورية.
لكن كل من عرف المقالح يعرف أيضاً زهده، وتواضعه، وبعده عن استعراض السلطة. لم تكن تحيط به مواكب السيارات، ولا الحمايات، ولا الطقوس التي تفصل المسؤول عن الناس. بقي شاعراً قبل أن يكون مسؤولاً، وبقي الإنسان فيه أكبر من المنصب.
أما في العراق، ولا سيما بعد عام 2003، فقد أخذت السلطة بعداً مختلفاً. تضخمت صورة المسؤول إلى حد بدا معه المنصب وكأنه امتياز شخصي لا وظيفة عامة. ومع الأسف، لم يكن الوسط الثقافي بمنأى عن هذه الظاهرة. فكثير ممن انتقلوا من فضاء الشعر أو الأدب إلى مواقع الدولة قبلوا، بصمت أو برضا، امتيازات يعلمون في قرارة أنفسهم أنها تتجاوز حدود المعقول.
وليس المقصود هنا الأشخاص بأعيانهم، وإنما الثقافة التي جعلت تلك الامتيازات أمراً عادياً، بل مرغوباً، بينما يقف في الجهة الأخرى مبدعون أفنوا أعمارهم في خدمة المعرفة، وهم عاجزون عن توفير ثمن الدواء.
فكيف نقبل أن يقضي باحث عمره في خدمة التراث، ثم تعتذر المؤسسة الثقافية عن طباعة عمله بحجة عدم وجود ميزانية، بينما تُنفق في العام نفسه مئات الملايين على احتفالات ومظاهر احتفائية؟ وأستحضر هنا مثال الباحث الدكتور خير الله سعيد ، الذي كرّس حياته لتوثيق الأدب الشعبي العراقي، في وقت كانت فيه وزارة الثقافة تعلن عجزها عن تمويل طباعة موسوعته، بينما صرّح وكيل الوزارة السابق القاضي مهند الدليمي بأن ميزانية احتفالات بغداد عاصمةً للثقافة بلغت نحو ستمائة مليون دولار أمريكي.
ليست المشكلة في إقامة الاحتفالات، فالثقافة تحتاج إلى فضائها الاحتفالي أيضاً، وإنما في اختلال سلم الأولويات، حين تصبح الصورة أغلى من المعرفة، والمشهد الإعلامي أهم من المشروع العلمي.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن هذه الظاهرة ليست مجرد نزعة فردية إلى التملق، بل هي انعكاس لبنية اجتماعية ما زالت تنظر إلى السلطة بوصفها المصدر الأول للرزق، والحماية، والوجاهة، والفرص. وحين تضعف المؤسسات، تقوى الشخصنة؛ وحين تغيب العدالة في توزيع الفرص، يصبح التقرب من صاحب القرار بديلاً عن الكفاءة.
أما من منظور علم النفس الاجتماعي، فإن الخوف من التهميش، والرغبة في الاعتراف، والإحساس بعدم استقرار المكانة، كلها تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن ظل السلطة، حتى وإن كان الثمن التخلي عن استقلالهم الأخلاقي.
لكن الأكثر إيلاماً أن يمتد هذا السلوك إلى المثقف.
فالمثقف، بحكم رسالته، ليس مطلوباً منه أن يكون خصماً دائماً للسلطة، كما أنه ليس مطالباً بعدائها لمجرد العداء. غير أن استقلاله المعنوي هو رأس ماله الحقيقي. فإذا فقد حريته الداخلية، وتحول إلى باحث عن الرضا الرسمي، فقد خسر أهم ما يمنحه شرعية وجوده.
لقد علمتني الحياة أن احترام المسؤول لا يكون بمنصبه، بل بمقدار ما يحترم هو حدود ذلك المنصب، وأن المثقف الحقيقي لا يقاس بقربه من السلطة، وإنما بمسافة الحرية التي يحافظ عليها بينه وبينها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: لماذا يتغير الناس عندما يصل أحدهم إلى السلطة؟
بل سؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً:
لماذا نمنح السلطة في وعينا قيمةً أكبر من قيمة الإنسان نفسه؟
فعندما يصبح المنصب أهم من المعرفة، والامتياز أهم من الخدمة، والقرب من المسؤول أهم من القرب من الحقيقة، نكون قد انتقلنا من مجتمع تحكمه المؤسسات إلى مجتمع تحكمه الهالات. وحينها لا تخسر السياسة وحدها، بل تخسر الثقافة أيضاً، لأن الثقافة لا تزدهر إلا في مناخ يحفظ كرامة المبدع، ويجعل المنجز معياراً، لا الكرسي الذي يجلس عليه صاحبه.



+ There are no comments
Add yours