نمتار / ياسين احمد خلف يحيى اوغلو*
يشبع الإنسان من الطعام بعد جوع، ويرتوي من الماء بعد عطش، ويهدأ جسده بعد تعب، لكن هناك نوعاً آخر من الجوع يبدو أنه لا يعرف نهاية. جوع لا يتعلق بالمعدة، بل بالداخل الإنساني العميق، حيث تتشكل الرغبات والطموحات والأسئلة التي لا تتوقف.
نرى الإنسان يمتلك ما كان يحلم به، ثم لا يلبث أن يبحث عن المزيد. يمتلك المال فيسعى إلى أكثر، ويصل إلى موقع فيطلب أعلى منه، ويحصل على الاعتراف فيبحث عن شهرة أوسع. وكأن الوصول لا يعني الوصول، بل بداية رغبة جديدة.
وهنا يبرز سؤال بسيط في لفظه، عميق في دلالته: لماذا لا يشبع الإنسان؟
ليست المسألة في الرغبة بحد ذاتها، فالرغبة جزء من طبيعة الحياة، تدفع الإنسان إلى العمل والتقدم والبناء. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الرغبة إلى جوع مفتوح بلا حدود، لا يتوقف عند حاجة ولا عند كفاية.
يمكن أن نميز هنا بين أنواع من “الجوع” غير المادي:
جوع السلطة، حيث يشعر الإنسان أن قوته لا تكتمل إلا بالسيطرة على الآخرين
وجوع المال، حين يتحول المال من وسيلة للعيش إلى معيار للقيمة والوجود.وجوع النفوذ، حيث يصبح التأثير في الآخرين هدفاً بحد ذاته وجوع الاعتراف، حين يبحث الإنسان عن قيمته في عيون الناس لا في ضميره الداخلي.
لكن السؤال الأعمق ليس في وجود هذه الدوافع، بل في غياب الحد الذي يضبطها. فالرغبة حين تُترك بلا وعي، تتحول إلى اندفاع، والاندفاع حين يُترك بلا مساءلة، يتحول إلى سلوك يضر الفرد والمجتمع معاً
وهنا لا تعود المشكلة في “الإنسان” وحده، بل في البيئة التي تحيط به: التربية التي لا تغرس معنى الاكتفاء، والمجتمع الذي يكافئ التراكم بلا سؤال عن الوسيلة، والأنظمة التي لا تميز بين النجاح الحقيقي والنجاح المشوّه.
إن الإنسان لا يولد جشعاً، بل يتشكل عبر ما يتعلمه، وما يراه، وما يُكافأ عليه أو يُحاسب بسببه. ومع الوقت، قد يفقد الإحساس بالحد الفاصل بين الحاجة والرغبة، بين الكفاية والطمع.
ولعل أخطر ما في هذا الجوع غير المادي أنه لا يظهر كمرض، بل قد يظهر كنجاح. لذلك يستمر دون أن يُراجع، ويتوسع دون أن يُسأل.أو أن يتوقف ليسأل نفسه: الكرامة أهم أم التخمة؟
في النهاية، ربما لا يكون السؤال: لماذا لا يشبع الإنسان؟ فقط، بل أيضاً: ما الذي يجعل الإنسان قادراً على التوقف؟
ولهذا فإن أخطر أنواع الجوع ليس جوع المعدة، بل الجوع إلى القيم؛ لأن المعدة تشبع بالطعام، أما النفس التي تفقد الضمير وتبتعد عن القيم فقد تظل تطلب المزيد من المال أو السلطة أو الشهرة دون حدود، فلا تشبع مهما امتلكت ، فكثير من السلوكيات التي نراها في الأفراد ليست وليدة لحظة عابرة، بل ثمرة تربية وثقافة وظروف اجتماعية تراكمت عبر الزمن.إن فهم الأشخاص مهم، لكن فهم البيئة التي أنتجتهم أهم.
ولعل ما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً أن الشعوب لا تتألم فقط من الفقر أو نقص الموارد، بل تتألم أيضاً عندما ترى أن خيراتها تُهدر وحقوقها تُسلب وكرامتها تُمس. فحين يتحول جوع المال أو السلطة إلى حالة بلا حدود، يصبح أثره أكبر من صاحبه؛ إذ يمتد ليصيب مجتمعاً كاملاً، ويترك خلفه مدارس متعثرة، وخدمات متدهورة، وأحلاماً مؤجلة، وقلوباً أثقلها الإحباط.
لقد عرف العراقيون، كغيرهم من الشعوب الطيبة، معنى الصبر والعمل والكرامة، لكنهم عانوا طويلاً من نتائج الجشع حين تجاوز بعض الناس حدود الحاجة إلى حدود الطمع، وتجاوزوا حدود المسؤولية إلى الاستحواذ، حتى أصبحت أرقام الفساد والسرقات في بعض الأحيان أقرب إلى اللامعقول منها إلى الواقع. وعندما يفقد الإنسان القدرة على التوقف عند حدٍ أخلاقي، فإنه لا يسرق مالاً فقط، بل يسرق فرص الأجيال القادمة، ويهدر ثقة الناس، ويجرح كرامة الوطن نفسه.
ولهذا يبقى العلاج الحقيقي أعمق من القوانين والعقوبات وحدها، فهو يبدأ من بناء الضمير، وترسيخ القيم الإنسانية، وتربية الإنسان على أن الكرامة أغلى من المكاسب، وأن الوطن ليس غنيمة، وأن المال العام أمانة، وأن الشرف الحقيقي ليس فيما نأخذه لأنفسنا، بل فيما نتركه نافعاً للناس من بعدنا، فالأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من ثروات، بل بكثرة ما تملك من ضمائر حية تعرف متى تقول: يكفي وعندها فقط ندرك أن الكرامة أهم من التخمة.
*اكاديمي عراقي مغترب


+ There are no comments
Add yours