نمتار / فائق العبودي
بسبب الحرب الإيرانية – الصهيونية–الأمريكية، ارتفعت أسعار تذاكر الطيران بشكل كبير، جئت بالطائرة إلى هولندا، أما طريق العودة إلى سويسرا فسيكون عبر ألمانيا بالقطار.
لذلك انطلقت بالحافلة من مدينة خرونيغن في شمال هولندا إلى مدينة هامبورغ الألمانية. تحركت الحافلة في الساعة الثالثة فجرًا، وكان من المفترض أن تصل إلى هامبورغ عند السابعة صباحًا.
كانت الحافلة شبه ممتلئة. جلست في المقعد رقم 14 حسب بطاقة الحجز، وقررت أن أنام لبعض الوقت. ولكن راودني قلق غريب؛ إذ خشيت أن أغفو فأشخر وأوقظ النائمين من حولي. لذلك كنت كلما غفوت وأطلقت شخرة صغيرة، أصحو فزعًا، ثم أسعل سعالًا خفيفًا في محاولة يائسة للتغطية على تلك الشخرة اللعينة.
وهكذا قضيت أربع ساعات كاملة: غفوة، شخرة، سعلة… ثم تعاد الدورة من جديد.
بعد نحو خمسة وأربعين دقيقة من انطلاق الحافلة، توقفت عند الحدود الألمانية للتفتيش. أيقظ رجال الشرطة الجميع وطلبوا جوازات السفر. جرى كل شيء بهدوء، ثم واصلنا السير.
لا أعرف لماذا، لكن ذلك المشهد أعاد إلى ذهني صورة حافلات نقل الجنود. ربما لأن الرحلة كانت في ظلام الفجر، وربما بسبب التعب الذي أثقل رأسي، أو بسبب الاستيقاظ المفاجئ للتفتيش. شعرت للحظات وكأننا لسنا مسافرين مدنيين نعبر الحدود، بل مجموعة تنقل الممنوعات. كان مجرد إحساس عابر، لكنه ظل يرافقني جزءًا من الطريق.
وكانت الحافلة تتوقف في بعض المدن، ينزل منها مسافرون ويصعد آخرون، بينما يواصل كل واحد رحلته نحو وجهته الخاصة.
في إحدى المحطات فتحت عيني على حركة قريبة وأصوات حول مكاني، فوجدت شابة شقراء تجلس إلى جواري. حيّتني بأدب وقالت معتذرة:
ـ أعتذر إذا سببت لك إزعاجًا
وجودها إلى جانبي زاد من قلقي قليلًا، إذ لم أكن أرغب أن تكون شاهدة على معركتي الطويلة مع الشخير. لكنني ارتحت عندما رأيتها تضع سماعات الهاتف في أذنيها وتنعزل عن العالم.
بكل الأحوال، كانت الرحلة هادئة. وصلنا إلى هامبورغ عند السابعة صباحًا كما هو مخطط. كانت الحركة قليلة في ذلك الوقت المبكر، وعدد من المشردين أو المتسكعين تجمعوا قرب محطة القطارات، كأنهم ينتظرون يومًا جديدًا يشبه الأيام التي سبقته.
كنت أبحث عن صناديق الأمانات لأضع فيها حقيبتي وأتحرر من حملها، حتى وقت رحلتي القادمة، وجدتها أخيرًا، فأودعت الحقيبة فيها، وشعرت بخفة مفاجئة، تخلصت من نصف أعباء السفر دفعة واحدة.
اتجهت بعدها إلى مقهى قريب، واحتسيت كوبًا من الشاي الأخضر مع سندويش من جبن الماعز، ثم تجولت قليلًا في المدينة أراقب الشوارع والمتاجر والناس الذين بدأوا يخرجون إلى أعمالهم.
وعند الساعة الثانية عشرة ظهرًا استقليت القطار المتجه إلى مدينة لوزان. رحلة طويلة تقارب عشر ساعات. كنت قد حجزت مقعدًا في الدرجة الأولى طمعًا في مزيد من الراحة واتساع المقاعد.
المقاعد كانت مريحة فعلًا، والهدوء يملأ المقصورة. والحقيقة أنني أحب الصمت، وربما أحتاجه أحيانًا أكثر من أي شيء آخر. لكنني مع ذلك لم أشعر بانسجام كامل مع المكان. حقائب أنيقة تحمل أشهر العلامات التجارية، ووجوه غارقة في عوالمها الخاصة، كأن كل واحد منهم يسافر داخل فقاعة لا يشاركه فيها أحد.
ربما كان ذلك مجرد انطباع شخصي عابر، فأنا أيضًا كنت منهمكًا بأفكاري، لكنني وجدت نفسي أحن إلى مقصورات الدرجة العادية؛ ليس لأنها أكثر ضجيجًا، بل لأنها أقرب إلى عفوية الحياة. هناك ترى الوجوه على طبيعتها، وتسمع لهجات مختلفة، وتلتقط حكايات صغيرة عابرة تجعل الرحلة جزءًا من السفر لا مجرد وسيلة للوصول.
والمفارقة أن حقيبتي أنا أيضًا تحمل قفلًا برقم سري، لكنني لم أجرؤ على استخدامه. كنت أخشى أن ينجح القفل في مهمته أكثر من اللازم، فأجد نفسي عاجزًا عن فتح الحقيبة.
في الحقيقة اشتريت هذه الحقيبة قبل يوم واحد فقط من سفري، من محل بيع الأغراض المستعملة. كانت حقيبتي الأصلية أصغر من أن تستوعب كل ما أردت حمله معي، فاضطررت إلى البحث عن حل سريع. وقع اختياري على هذه الحقيبة التي لم يتجاوز ثمنها خمسة دولارات.
يوم اشتريتها كنت أتعامل معها كحل مؤقت لسفرة واحدة، وكنت أظن أنني سأتخلص منها بعد العودة. لكن الرحلة جعلتني أغير رأيي. فقد كانت متينة وعملية وخفيفة الحركة، وأثبتت أنها أكثر وفاءً مما توقعت من حقيبة مستعملة مجهولة الماضي.
لذلك، وبينما كنت أتأمل حقائب فاخرة تحمل أسماء عالمية لامعة، كانت حقيبتي ذات الخمسة دولارات ترقد بهدوء إلى جانبي، تؤدي مهمتها دون ادعاء ودون حاجة إلى أن يعرف أحد اسم الشركة التي صنعتها.
لطالما شعرت أن السفر لا يصبح أجمل كلما ارتفع ثمن المقعد، بل كلما اقترب الإنسان من الناس. فبين المسافر الذي يحمل حقيبة مستعملة اشتراها على عجل قبل السفر بيوم واحد، والمسافر الذي يحرس حقيبته الفاخرة ذات القفل السري، قد لا يكون الفرق في الوجهة، بل في الحكايات التي يحملها كل منهما معه على الطريق.
سويسرا- لوزان


+ There are no comments
Add yours