نمتار / لبنى ياسين
كيف يمكن لعاقلٍ أن يؤمن بالثبات والاستقرار في عالم لا يكف عن الانزلاق، ذلك الذي اعتقد أن الثبات حقيقة.. أظنه كان بلا بصيرة.
هكذا أعيش يومي كبقية الناس، في مجتمع يعاني من كثافةٍ لا حاجة لأحدٍ بها، لكنها – تلك الكثافة – هي من يهبنا وهم الاستقرار.
عشت في طبقةٍ لا تفكر في ما تحتها، بقدر ما تفكر بالطبقات الأعلى منها، وتحاول جاهدةً تقليدها.
بالنسبة لي كنت أحارب لكي أصعد، لكنني في قرارة نفسي كنت أعلم أنني أنزلق إلى الأسفل رويدًا بطريقةٍ تشبه انزلاق المعنى من جملةٍ كانت تبدو في غاية البلاغة قبل لحظةٍ واحدة فإذا بها فارغة بلا مغزى.
كنت مثل حبة رمل في ساعة رملية، أرى انعكاسي على الزجاج وأنا أقاتل للصعود، لكن قدري يجبرني على التحرك نحو الأسفل ليعيد ترتيب مساري كما يشاء.. لا كما أشاء.
ثمة انحدار مستمر يعتورنا، ميلٌ لا نشعر به لأننا جميعًا نميل بالقدر نفسه، ورغم ذلك يركن البعض بمنتهى السذاجة إلى فكرة الثبات.. بينما يكفر الآخر بفكرة الموضع/ المكان/ الوطن، وكل الأشياء الحتمية.
بقيت جل عمري أراقب نفسي على الزجاج ذاته… دون أن أثبت في مكان واحد ولو لثانية.. كنت أسقط ببطءٍ غير محتمل، وبانضباط ليس من شيمي، كأن الزمن يتثاقل داخلي.
ثمة فارق خفي بيني وبين ما يجاورني،فارق لا تلتقطه العين المجردة..لكنني رأيته بعين الإدراك، بعين من يراقب ويحلل حتى أصغر التفاصيل.. إذ أنني – خلافًا لأغلب الكائنات الأخرى – عشت بوعيٍ كامل لكل ما يحدث حولي.. أو على الأقل هذا ما أظنه.
في لحظةٍ ما وجدت نفسي في وسط الدوامة، عندها أدركت أنني أنهيت مرحلة الانزلاق الخفي، ودخلت طور السقوط المدوي، أربكني ذلك للغاية، فجزء مني يستعجل الوصول إلى خط النهاية مع إحساسه بعبثية المقاومة، وجزء آخر يتهيب المجهول.
كنت كلما نظرت إلى انعكاسي وجدتني في وضعٍ آخر أكثر ميلًا عما كنت فيه قبيل لحظة، أخف تماسكا، ثمة شرخ في المكان والزمان، كأن المكان أصبح أشد انزلاقًا وأعظم انحدارًا، أما الوقت فقد صار أكثر كثافةً مما عهدت، أو كأن الحركة تُنتزع مني جزءًا جزءًا… تستلها روحي غصبًا عن كل ما سمي بالإرادة، وأية إرادة لكائن يفيض هشاشة؟!
حاولت أن أحسن التعبير عما يحدث، عما أشعر به، عن هذا الاستنزاف الصامت الذي يستهلكني دون هوادة… لكن أدواتي اللغوية كانت أقل بكثير مما يفترض بي قوله، فاكتفيت بالقول بأننا نسقط في هوة عميقة، لكننا لا ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
شعر البعض بالشفقة وهو يقول أنني فقدت عقلي، وعزوا جنوني إلى المرايا، ثم نصحوني بأن أخفف تحديقي بها، وأن أنشغل بما فوقي، فليس من التعقل النظر إلى الأسفل كما قيل لي، حيث يمكن للفرد أن يذوب في الكل، ومع الكل دون أن ينتبه إلى حقيقة تلاشيه.لكنني كلما حاولت اتباع تلك النصيحة شعرت بالضياع، والعزلة.
مع الوقت صارت المرايا مرجعًا لا مفر منه، رأيت فيها ما لم أدركه عندما لم أكن أعتبر نفسي جزءًا من المشهد، لا بد من المرايا إذن لإعادة ترتيب لقطة أكون فيها مرئية على الأقل في عيني أنا، لصنع إدراك يُعترف فيه بوجودي، بكوني جزءًا عاجزًا عن القيام بفعل مقصود لصنع تغيير ما في مشهد متحرك، عند هذا الحد فهمت أن السقوط ليس سيئًا بالطريقة التي يحاولون تقديمه لنا فيها، إنه تخلٍ تدريجي عن فكرة المكان، وهم الاستقرار، الرسوخ، الأشياء التي لا تتحرك، والأفكار الجامدة كما لو أنها مصنوعة من إسمنت، هل علي أن أنتمي إلى مكانٍ ما؟ هل تنتمي ذرة الهيدروجين إلى أي مكانٍ؟ هل لديها وطن؟
ماذا إن تخلينا عن فكرة الاستقرار، وقبلنا الكوكب كله على أنه وطن؟ هل هناك غايةٌ تبرر استنزاف نفوسنا في الانتظار الطويل للمكوث في مكانٍ نسميه مجازًا وطنًا، لنقتتل لأجله في النهاية.
ما يربكني فعلًا أن جميع من حولي يتصرفون وفق يقينٍ صامت بأن هناك موضعًا وحيدًا للشعور بالاستقرار، بينما لم أشعر أنا بوجود هذا الموضع رغم كوني تنقلت كثيرا، كأنني ذلك الكائن اللامنتمي، حتى أنني أشك فعليًا بوجود مكان كهذا، وأظنه قصةً من قصص ألف ليلة وليلة لم يكن يُفترض بها أن تتحول إلى واقع معاش، لكننا وسط انتظارنا لما لا يأتي حولناها شيئًا فشيئًا إلى وهم منتظر.
حدث بعدها أمر لا يمكن ملاحظته خارج حدود نفسي، سقط شيء مني، لم أدرك ما هو لكنني شعرت بالخفة إثر سقوطه عن كاهلي.
كان ذلك أشبه بفك عقدةٍ داخلية لم أكن أعلم بوجودها، ولا بطريقة فكها، ولا حتى بكونها قابلة للتفكك.
حينها فقط تفتحت بصيرتي، رأيت خيوطًا رفيعةً متناهيةً في الدقة، تنبثق من علو لا يمكن تتبعه وتغوص فينا، تتوزع في أطرافنا، وتستقر في نقاطٍ نتوهم أنها جزءٌ منا
فتمنحنا وهم الثبات، وتدير انهيارنا الجماعي نحو الأسفل دون ارتطام.
حاولت أن أشير إليها، أن أسميها، لكن اللغة بدت فجة أمامها، لم يرها غيري، لذلك كان الأفضل للجميع أن ينعتوني بالجنون، فكيف يمكن أن تكون الجماعة مخطئة، والفرد على حق؟
نظرت أخيرًا إلى حيث كنت، الموضع الذي لا بد لكل واحد منا أن يعتنق فكرة وجوده ويقدسها،ما زالت الطمأنينة الوهمية فيه تؤدي دورها بإتقان، ربما كانت هذه هي الحكمة المرجوة، أن توهم نفسك بقداسة الأشياء والأماكن، وتبقى أنت الشيء التافه الأقل قيمةً من كل تلك الأوهام المتراكمة، ربما لنصبح أكثر تواضعًا، مع أن ذلك لم يفلح، أو ربما لنمنح هذا الانتظار الطويل معنى يساعدنا على احتماله، أو ربما لنُعطى شرفًا كاذبًا عند قتلنا جميعًا باسم ذلك الوهم.
الخيوط تتكاثر في الأعلى، تهطل كقدرٍ مباغت لا يمكن مقاومته، وتنغرس في أطراف كل من يطلب تفسيرًا لرسوخه الوهمي.
أما أنا، فلا أملك رسوخًا، ولا تفسيرًا لأي شيءٍ مما حولي، وللمرة الأولى لم أعد أشعر حتى بالحاجة إلى شيء منها.
هولندا/ خرونيجن
2026



+ There are no comments
Add yours