نمتار / فائق العبودي
في زمنٍ بعيد بين جبال سويسرا الجميلة الهادئة ووديانها الباردة، عاش فلاح بسيط يُدعى ” وليام تِل، ولم يكن يملك سوى بيته الصغير، وقوس الصيد الذي لا يفارقه، وابنه الذي كان يمشي بجانبه كظلّه في الحقول.
في تلك الأيام، كانت البلاد تحت حكم حاكمٍ متكبر يُدعى “غيسلر”، لا يرى في الناس إلا أدواتٍ للطاعة والخضوع.
أراد أن يُعلّم الناس درساً في الإذلال، فأمر بوضع قبعته على عمود في ساحة البلدة، ثم أعلن أن كل من يمرّ يجب أن ينحني لها.أطاع الناس خوفاً، ومرّوا بصمت، إلا ” وليام تِل”.
مرّ الفلاح في الساحة، نظر إلى القبعة، ثم أكمل طريقه دون أن يلتفت.طبعًا لم يمرّ ذلك الموقف بسلام، فأُحضر تِل أمام الحاكم، وهناك قال غيسلر بسخرية:
يقال إنك أمهر رماة البلاد… سنرى إن كنت ماهراً بما يكفي لإنقاذ حياتك ثم صدر الأمر الذي صدم الجميع:
أن توضع تفاحة فوق رأس ابن تِل، وأن يقف الأب على مسافة بعيدة وعليه ان يصيبها بسهم واحد.
ساد الصمت
كان الطفل واقفاً بشجاعة تفوق سنّه، ينظر إلى والده وكأنه يثق أن الحب أقوى من الخوف. أما الأب، فكانت يداه تمسكان القوس وفي راسه تدور افكارًا كثيرة وسريعة.
تنفّس وليام بعمق، شدّ الوتر ثم أطلق السهم..
وفي لحظة واحدة، انقسمت التفاحة إلى نصفين، وسقطت أرضاً، وبقي الطفل حيّاً
لم يفرح الحاكم، بل لاحظ سهماً آخر كان يخفيه الفلاح فسأله:
“ولماذا أخفيت هذا السهم الآخر؟”
فأجاب تِل بهدوءٍ وبلا خوف:
لو أصبت ابني، لكان هذا السهم لك”
تغيّر وجه الحاكم، وأمر باعتقاله فوراً
لكن الحكاية تقول إن وليام تمكن من الهرب أثناء عاصفة هوجاء، حين تلاطمت الأمواج بالقارب في بحيرة لوسيرن، ووصل الى الجبال ولم يتمكن أحد من الامساك به ، ومنذ ذلك اليوم، صار اسمه يُروى في القرى والجبال، ليس لأنه أصاب تفاحة، بل لأنه رفض أن ينحني، لكن الحكاية لا تتوقف عند ذلك.
فكلما تُروى قصة الفلاح الذي وقف في وجه الطغيان، يخرج سؤال يطرق الأذهان بصمت:
ماذا لو وُجد في كل زمان فلاح مثل تِل… و بدل أن يقف أمام حاكم ظالم، يقف أمام مسؤولين ينهبون أوطانهم باسم القانون، ويسرقون مستقبل شعوبهم دون سهمٍ واحد يُطلق عليهم؟
الفلاح الذي لم يملك إلا قوساً واحداً يدافع فيه عن ابنه.
فأين هم الذين يملكون السلطة اليوم، لكنهم لا يدافعون عن أبناء أوطانهم؟
وأيّهما أشد ظلماً: رجلٌ أجبر شعبه على الانحناء لقبعة… أم من جعل الناس تنحني كل يوم تحت ثقل الفقر والفساد دون أن يلتفت إليهم أحد؟
وهكذا تبقى الحكاية مفتوحة…
بين فلاحٍ اختار أن يحمي كرامته،وعصرٍ يحتاج إلى من يذكّر الناس بأن ضياع الكرامة يبدأ دائمًا بصمتٍ صغير.
إلى متى يستمر هذا الصمت؟
وإلى متى نكرر الأخطاء نفسها دون أن نتعلم من دروس الماضي؟
لقد مرّ الطغاة من هنا، وتركوا وراءهم الخراب والخوف، ثم مضوا إلى مزبلة التاريخ، بينما بقيت كرامة الإنسان هي الحقيقة الوحيدة التي لا تموت.
فمتى ندرك أن ما سقط به الطغاة بالأمس، كفيلٌ بأن يُسقط كل طغيانٍ جديد اليوم؟ وأن الشعوب قد تصمت طويلًا، لكنها لا ترحم أذا جاء يوم الحساب ، وكما قال الشاعر العباس ابن الاحنف:
صحائفُ عِندي للعِتابِ طَوَيتُها
سَتُنشَرُ يَومًا وَالعِتابُ يَطولُ
فالتاريخ أيضًا يطوي صحائفه حينًا، لكنه لا يحرقها، وحين تُفتح دفاتره من جديد، يطول الحساب بقدر ما طال الصمت.
سويسرا-لوزان
2026



+ There are no comments
Add yours