بحبر/ رئيس التحرير

لم يدر في خلدي -حقا- ،أن أحفل وأن أُفاجأ ،بل وأجفل هكذا جراء فرط الدهشة والغبطة وأثر تلك النفحات القُدسيّة التي أعترتني لحظات وصولي ودخولي الموقع التذكاري للشهداء الشيوعيين المُغيبّين،الكائن في رحاب المقبرة العامة في آربيل منطقة كسنزان- طريق كويه،عصر يوم الثالث من عيد الأضحى المبارك، وما مرد أثر ذلك الاهتمام ولوامع الاعجاب يعود بطبيعة الحال إلى جوهر أصل وفصل الفكرة التي راودت ذهن،وحفزّت من مخيلة عقل الكاتب والباحث “سعدي ثجيل خفي البريجي”،الذي كان قد شغل منذ سنوات خلت منصب رئيس جمعية الثقافة المندائية في آربيل -عنكاوا،وكيف تحوّلت الفكرة من مجرد حلم فردي،إلى واقع جمعي ،جمالي،تجلّى بنسق معماري،حضاري،وغاية إنسانيّة نبيلة،متفرّدة، ناصعة وأصيلة – قبل كُل شيء- فقد حوت وتجلّت هذه المقبرة بمحيطها المُحاط والمُحددّ بما أتسع لحدود خمسمائة شاهدة قبر تؤرّخ لكل شهيد شيوعي،لقى حتفه – بريئاً، مغيبّباً أبان ظلم وجو النظام السابق- ولم يتسن لأهله وذويه أن يروا جثته أو رفاته،ومُنعوا حتى من مجرد الإحتفاء بذكره على مرّ الأعوام ،من هنا جاءت فكرة “سعدي ثجيل” الذي كان قد ذاق علقم مرارة تلك الأيام وعائلته بفقدانه لثلاثة أخوة هم ؛ ” التفات ثجيل / رعد ثجيل / ورشيد ثجيل” ويا لهول ثقل وحجم تلك المصيبة،التي إستطاع ببراعة صبر ورباطة جأش،أن يحولها مع من وقف معه و أفراد عائلته وفي مقدمتهم زوجته “أم رام” وأولاده،لا بل حتى البعض من أحفاده،وكل من ساندوه،و آزروه ووقفوا معه في تحقيق هذا المسعى الإنساني ،الوطني،على مختلف أهوائه ومبتغياته وصدق مراميه نبل نواياه،بفضل جهد الجهات الحكومية والرسمية والخدمية،إلى جنب بعض من المنظمات التي أسهمت وعززّت من جلال وهيبة وقار هذا الإنجاز الذي رأى النور متوّجا بتصميم معماري بارع وبهي وبهيج، زها بتناسق وتناغم فهم وتنفيذ من قبل المهندسة المعمارية المندائية “تمارا خلدون بدر” المُقيمة في السويد،حيث جرت مراسم الافتتاح في شهر مايس-آيار من العام /2021،ولعل ما يُسعد أكثر في مجهودات نواحي حرص “سعدي،أبا رام”،هو متابعاته الدائبة والدائمة والمستمرة لأدق أدق التفاصيل،بغية الإبقاء على جمال ونضارة هذه الروضة المحاطة بأنواع مختلفة من الزهور والنباتات الباهية بأريج عطرها وتلقائية جمالها،من حيث تداني شواهد وصور قبور هؤلاء الاوفياء،الانقياء من رجال وشباب ونساء من الذين ضحوا بحياتهم ،من أجل أن تستمر الحياة وتتواصل على ما هي عليه الآن،

أنا من يقول ؛أن على الحياة أن تمضي ،فالحياة هي “نحنُ”،نَحنُ من يُمجّد -الأن- لهولاء الأبطال ممن قارعوا الظلم وعاندوا الطغيان،ثم فازوا بمراتب هذا الذكر وهذا الوفاء،ولو من بعد حين، بجد جاءت فكرة زيارة هذا الموقع التذكاري لي بمثابة بلسم للروح،واستذكارٍ لبهاءات ما برعت تمتلكه هذه الارواح الطهارة النقية،هنا.. ومن زهو أثر هذه الزيارة -وهي الأولى لي- أود لو أهمس بمثل همسات أنفاس ما جاءت به عبارة فيلسوف المانيا الكبير”ريلكَة” وهي تقول؛ ” لا تأريخ .. إلا تأريخ الروح”.
حزيران / 2026
ح.ع.الحميد




+ There are no comments
Add yours