ما الذي ينتظره الشعب من علي الزيدي؟

نمتار / عماد آل جلال

في بلد أنهكته الوعود المؤجلة، لا يصل أي رئيس وزراء إلى السلطة محملا ببرنامج حكومي فحسب، بل بثقل توقعات شعب لم يعد يمنح ثقته بسهولة. هكذا يدخل علي الزيدي إلى المشهد السياسي العراقي، لا بوصفه رجل تسوية بين القوى المتنازعة فقط، بل كاختبار جديد لحدود الممكن في دولة تتقاطع فيها الأزمات مع المصالح.

السؤال الذي يتردد في الشارع ليس عن خلفيته الأكاديمية ولا عن خبرته المصرفية، بل سؤال بسيط في ظاهره، عميق في معناه: هل سيتغير شيء فعلا؟

أول ما ينتظره العراقيون هو ما فشلت فيه حكومات متعاقبة: الخدمات. الكهرباء التي تنقطع في ذروة الصيف، المياه التي لا تصل بانتظام، والبنية التحتية التي تبدو في كثير من المناطق خارج الزمن. لم يعد المواطن يطلب معجزات، بل الحد الأدنى من العيش الكريم. في هذا الملف، لا تقاس الحكومات بخططها، بل بما يصل فعلا إلى بيوت الناس.

ثم يأتي الاقتصاد، وهو المجال الذي يفترض أن يكون نقطة قوة للزيدي. لكن التحدي هنا ليس نظرياً. البطالة، خصوصا بين الشباب، تحولت إلى أزمة مزمنة، والاعتماد شبه الكامل على النفط جعل الدولة رهينة لتقلبات السوق. المطلوب ليس مجرد إصلاحات تقنية، بل رؤية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع: من دولة توظف الجميع إلى اقتصاد ينتج الفرص. هذا التحول، إن لم يدار بحذر، قد يفتح باباً لغضب اجتماعي بدل أن يغلقه.

أما الفساد، فهو الملف الذي استهلكته الشعارات. العراقيون لا يحتاجون إلى وعود جديدة، بل إلى أفعال مختلفة. ما ينتظره الشارع ليس لجاناً، بل محاسبة حقيقية تطال مراكز النفوذ، لا فقط الحلقات الأضعف. هنا فقط يمكن أن تستعاد ثقة تآكلت عبر سنوات.

وتبقى مسألة هيبة الدولة من أعقد الملفات. السلاح خارج الإطار الرسمي، وتداخل النفوذ بين السياسة والأمن، جعلا من فرض القانون تحدياً يومياً. لا ينتظر الناس صداماً، لكنهم يريدون دولة قادرة على فرض النظام بعدالة ووضوح.

ولا يمكن فصل كل ذلك عن التوازنات الخارجية. العراق يقف في مساحة شد مستمر بين الولايات المتحدة وإيران، وكل قرار داخلي له امتدادات خارجية. ما ينتظره الشارع ليس الانحياز، بل تقليل كلفة هذا التوازن على الداخل، واستعادة قدر من القرار الوطني.

وربما الأهم من كل ذلك هو أسلوب الحكم نفسه. المواطن لم يعد يكتفي بالقرارات، بل يريد وضوحاً وتواصلا ومصارحة. زمن الخطاب العام الذي لا ينعكس على الواقع لم يعد مقبولا كما كان.

في المحصلة، لا ينتظر العراقيون من علي الزيدي أن يكون استثناء خارقا، بل أن يكون مختلفا بما يكفي. الفارق بين النجاح والفشل لن يقاس بما يعلن، بل بما يتحقق فعلا في حياة الناس.

لقد جرب العراقيون الوعود كثيراً. وما ينتظرونه هذه المرة ليس أكثر منها، بل شيئاً واحداً: أن تصبح واقعاً

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours