نمتار / د. عبد الوهاب العاني
في الأنظمة التوافقية، لا يكون الإجماع مؤشر قوة دائمًا، بل قد يكون تعبيرًا عن عجز جماعي عن الحسم. وفي هذا الإطار، يأتي تكليف علي الزيدي في لحظة سياسية عراقية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات الداخلية مع ضغوط وتوازنات إقليمية ودولية، ما يجعل من هذا التكليف ظاهرة تستحق قراءة تتجاوز الشخص إلى السياق الذي أفرزه.
داخليًا، يلفت الانتباه مستوى الانسيابية في إنتاج التوافق حول شخصية غير متداولة سياسيًا، في بيئة اعتادت على صراعات حادة وتعطيل طويل قبل الوصول إلى تسويات. هذه السلاسة لا يمكن تفسيرها بمعايير القوة السياسية التقليدية، بل تُفهم ضمن منطق “التوافق الاضطراري” الذي تلجأ إليه النخب عند عجزها عن فرض مرشح يواجه ويتحدى.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم هذا التوافق دون قراءة سلوك الأحزاب بوصفها فواعل تسعى إلى الحفاظ على حصصها ضمن نظام تقاسم النفوذ، حيث يُفضَّل دعم شخصية لا تمتلك قاعدة سياسية مستقلة، بما يقلل من احتمالات إعادة توزيع مراكز القوة. وبهذا المعنى، يبدو الزيدي أقرب إلى “نقطة توازن” منه إلى “مركز قرار”، أي شخصية لا تُثير حساسية الأطراف المختلفة، وتُستخدم كحل وسط لتقليل كلفة الصراع، دون أن يعني ذلك امتلاكه تفويضًا حقيقيًا لإحداث تحولات كبرى.
غير أن هذا النمط، وإن كان فعالًا في إنتاج الاستقرار المؤقت، غالبًا ما يواجه مأزق “شلل السياسات” عندما يصطدم بملفات بنيوية تتطلب قرارات حاسمة. وهنا تبرز إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الشرعية السياسية، إذ يواجه الزيدي وضعًا مركبًا؛ فهو لا يستند إلى شرعية انتخابية مباشرة، ولا إلى قاعدة حزبية منظمة، ما يجعله معتمدًا بدرجة كبيرة على ما يُعرف بـ“الشرعية الأدائية”، وهي من أكثر أشكال الشرعية هشاشة في البيئات غير المستقرة.
لكن فهم المشهد لا يكتمل دون إدخال العامل الخارجي، حيث تبرز مقاربتان متوازيتان لكل من الولايات المتحدة وإيران، تختلفان في الدوافع وتلتقيان في النتيجة. فمن جهة، تنظر إدارة Donald Trump إلى مثل هذه الشخصيات بوصفها “قابلة للاختبار”، لا تحمل إرثًا أيديولوجيًا واضحًا، ويمكن التعامل معها ببراغماتية، خصوصًا إذا أظهرت مرونة في الملفات الأمنية والاقتصادية، وحافظت على حد أدنى من الاستقرار.
واشنطن، في هذا السياق، لا تبحث عن حليف مثالي بقدر ما تبحث عن شريك يمكن التنبؤ بسلوكه وعدم تعارضه مع مصالحها الأساسية.
في المقابل، تتعامل طهران مع الحالة ذاتها بمنطق “الاحتواء الحذر”. فهي لا تحتاج إلى شخصية قوية بقدر ما تحتاج إلى شخصية غير معادية، تحافظ على التوازنات القائمة، خصوصًا في ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة ونفوذها داخل الدولة. بالنسبة لإيران، أي انحراف مفاجئ نحو تقليص هذا النفوذ أو الانسجام مع ضغوط خارجية ضده، سيحوّل هذا التوافق إلى مواجهة.
إلى جانب ذلك، تبرز الفواعل الإقليمية العربية، خصوصًا في الخليج، التي قد تنظر إلى شخصية ذات خلفية اقتصادية بوصفها مدخلًا لإعادة تفعيل الحضور الاقتصادي في العراق، بما يخلق توازنًا ناعمًا في بيئة النفوذ الإقليمي، ويمنح هذه الدول فرصة لإعادة التموضع عبر أدوات الاستثمار والشراكة بدلًا من الانخراط في الاستقطابات السياسية الحادة.
هنا تتشكل المفارقة المركزية:
الزيدي قد يحظى بقبول أطراف متعارضة، لكن لأسباب متناقضة؛
واشنطن تريده مرنًا يمكن توجيهه،
وطهران تريده مستقرًا يمكن احتواؤه،
في حين ترى فيه بعض القوى الإقليمية فرصة لانفتاح اقتصادي.
وهذا يضعه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن إدارة توازن بين قوى لا تلتقي مصالحها بالكامل، دون أن يخسر إحداها أو يفقد ثقة الداخل؟
التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى المنصب، بل في ما بعده، فالملفات المطروحة—من السلاح خارج الدولة، إلى الاقتصاد، إلى طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل—ليست ملفات قابلة للإدارة بالتأجيل، بل تتطلب رؤية واضحة وقدرة على اتخاذ القرار.
في هذا السياق، يبرز عامل حاسم يتمثل في غياب التعريف السياسي الواضح للشخصية المكلفة. فالصمت، وإن كان مفهومًا تكتيكيًا في البدايات ضمن ما يُعرف بـ“إدارة الغموض”، لا يمكن أن يستمر طويلًا دون أن يتحول إلى عنصر إضعاف، خصوصًا في بيئة تحتاج إلى بناء ثقة قائمة على وضوح التوجه.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن الزيدي يقف اليوم بين مسارين:
– إما أن يبقى ضمن حدود “مدير التوازنات”، فيحافظ على موقعه دون أن يُحدث تغييرًا يُذكر.
– أو أن يحاول التحول إلى “صانع قرار”، وهو خيار ينطوي على مخاطر عالية في بيئة لا تتسامح مع كسر قواعدها بسهولة.
ختامًا، لا تكمن أهمية هذه اللحظة في شخصية الزيدي بحد ذاته، بل في طبيعة الدور الذي سيؤديه.
هل سيكون تعبيرًا عن توازن قائم، أم بداية لإعادة تشكيله؟
الإجابة لن تأتي من التوافق الذي أوصله، بل من أول اختبار حقيقي يواجهه،.
ففي العراق، لا تُقاس قوة القادة بكيفية وصولهم إلى السلطة، بل بقدرتهم على البقاء فيها دون أن تبتلعهم تناقضاتها.


+ There are no comments
Add yours