نمتار / بقلم حنان بديع
القلق من المستقبل شعور إنساني طبيعي… لكنه ليس دائماً واقعياً بالدرجة التي نتصورها. نحن نقلق لأن عقولنا مبرمجة لحمايتنا؛ فهي تحاول استباق الخطر قبل حدوثه. لكن المشكلة أن العقل لا يفرّق دائماً بين خطر حقيقي واحتمال متخيَّل فيحوّل “ماذا لو؟” إلى سيناريوهات كاملة مليئة بالخسارة والفشل والخذلان.
متى يكون القلق واقعياً؟ يكون كذلك عندما يدفعك للتخطيط والاستعداد ويجعلك تفكر في حلول عملية. كما ان هذا النوع من القلق وظيفي… يحفّز ولا يشلّ.
إلا أنه يصبح غير واقعي عندما يتضخم الاحتمال إلى كارثة مؤكدة وعندما تعيش أحداثاً لم تقع بعد وكأنها حدثت، نعم يحدث هذا عندما يشلّك عن الفعل بدلاً من أن يدفعك إليه. هنا فقط يتحول القلق من حماية إلى استنزاف.
الحقيقة الفلسفية البسيطة أن المستقبل لا يُعاش الآن… بل يُصنع الآن. أغلب الأشياء التي أقلقتنا في الماضي لم تحدث، أو حدثت بشكل مختلف تماماً عما تخيلناه.
ربما السؤال الأصدق ليس: هل القلق واقعي؟
بل: هل أفكاري عن المستقبل مبنية على حقائق أم على مخاوفي؟
الحقيقة أن القلق من المستقبل ليس خوفاً من الغد… بل خوف من صورةٍ رسمها العقل للغد.
نحن لا نخاف الأيام القادمة بقدر ما نخاف احتمالاتها. نخاف نسخةً متخيَّلة من أنفسنا وهي تخسر، تتعثر، تُخذَل. كأننا نحاكم زمناً لم يولد بعد، ونحمّله مسؤولية وجعٍ لم يحدث.
المستقبل فكرة… لكنه يملك سلطة هائلة علينا.
فكرة تسرق طمأنينة اللحظة، وتحوّل الحاضر إلى غرفة انتظار طويلة.
والحقيقة أن الغد لا يأتي دفعة واحدة.
إنه يتشكّل بهدوء، من قرارات صغيرة، من مواقف عابرة، من صبرٍ لا يراه أحد.
نعم ففي حين القلق يريد نتائج فورية وضمانات مكتوبة، بينما الحياة لا توقّع عقوداً مع أحد.
يبدو القلق وكأنه في محاولة للسيطرة على المجهول، وربما هو اعتراف خفي بأننا لا نثق تماماً بقدرتنا على المواجهة.
غير أن المفارقة أن الإنسان لم يكن يوماً مستعداً بالكامل، ومع ذلك… كان ينجو
لعلّ الطمأنينة ليست أن نعرف ما سيحدث، بل أن نؤمن أننا، مهما حدث، سنجد طريقةً للعبور.




+ There are no comments
Add yours