نمتار / د. عبد الوهاب العاني
في لحظة سياسية حرجة، جاء تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية بوصفه محاولة لكسر حالة الانسداد التي أنهكت المشهد السياسي. لم يكن اختياره نتيجة صعود سياسي تقليدي، بل جاء كـ“مرشح تسوية” بين أطراف متنافسة، في مقدمتها معسكرات داخل الإطار التنسيقي المرتبطة بأسماء مثل السيد المالكي والسيد محمد شياع السوداني.

هذا التوصيف بحد ذاته يلخص جوهر التحدي: هل يستطيع رجل جاء نتيجة توافق مؤقت أن يتحول إلى قائد فعلي لحكومة مستقرة؟
من الناحية الشكلية، يبدو الزيدي خيارًا مقبولًا للجميع، أو على الأقل غير مرفوض من أحد. وهذه ميزة في نظام سياسي قائم على التوازنات الدقيقة، لكنها في الوقت ذاته تحمل بذور الضعف. فمرشح التسوية غالبًا ما يفتقر إلى قاعدة سياسية صلبة تحميه عند اشتداد الأزمات، ويجد نفسه مضطرًا لإرضاء الجميع، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا في بيئة سياسية شديدة التعقيد مثل العراق.
التحدي الأول الذي سيواجهه الزيدي يكمن داخل البيت السياسي الذي جاء به. فالتوافق الذي أفرزه ليس اتفاقًا استراتيجيًا بقدر ما هو هدنة مؤقتة. ومع بدء مفاوضات تشكيل الحكومة، ستعود الخلافات إلى السطح، خصوصًا حول توزيع الوزارات السيادية والأمنية والاقتصادية. في هذه اللحظة، سيتحول الزيدي من “حل وسط” إلى “ساحة صراع”، وقد يجد نفسه محاصرًا بين مطالب متناقضة لا يمكن تلبيتها جميعًا.
أما التحدي الثاني فيتعلق بخلفيته المهنية. فالزيدي، بوصفه رجل أعمال ومصرفيًا، قد يمتلك أدوات الإدارة الاقتصادية، لكنه يفتقر إلى الخبرة السياسية العميقة في إدارة التوازنات الحزبية والبرلمانية. والعراق ليس دولة تُدار بمنطق الشركات، بل بمنطق التوافقات والصفقات، حيث تتداخل السياسة مع النفوذ والولاءات بشكل معقد. ومن دون مهارة سياسية عالية، قد يجد نفسه عاجزًا عن تحويل قراراته إلى واقع.
على صعيد الشارع، لا تبدو المهمة أقل صعوبة. فالعراقيون الذين سئموا الأزمات المتكررة ينتظرون تحسينًا ملموسًا في الخدمات وفرص العمل ومحاربة الفساد. أي تأخير أو إخفاق في هذه الملفات سيُفسَّر سريعًا على أنه استمرار لنهج الحكومات السابقة، ما قد يضع حكومته في مواجهة ضغط شعبي مبكر، يضعف موقفها ويزيد من هشاشتها.
ولا يمكن إغفال العامل الخارجي، الذي يظل حاضرًا بقوة في المشهد العراقي. فالموقف الأمريكي، خاصة في ظل سياسات ترامب، يتسم بالحذر والبراغماتية. الزيدي ليس مرشحًا مفضّلًا لواشنطن، لكنه أيضًا ليس مرفوضًا، ما يجعله في موقع “الاختبار”. قدرته على ضبط الملف المالي والتعامل مع الضغوط الدولية، إلى جانب الحفاظ على توازن دقيق مع إيران، ستكون عوامل حاسمة في تحديد مستوى القبول الخارجي لحكومته.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل حكومة الزيدي:
الأول، أن ينجح في تمرير حكومته عبر تقديم تنازلات متبادلة، ليقود حكومة توافقيّة ضعيفة لكنها مستقرة نسبيًا.
الثاني، وهو الأقرب، أن يتعثر في مفاوضات التشكيل أو بعدها بفترة قصيرة، نتيجة تصاعد الخلافات السياسية.
أما الثالث، فهو أن يتحول إلى واجهة لحكومة تُدار فعليًا من قبل القوى السياسية، فيبقى في المنصب دون امتلاك القرار الحقيقي.
في النهاية، لا يتوقف مصير علي الزيدي على كفاءته الشخصية فقط، بل على مدى استعداد القوى السياسية لمنحه فرصة حقيقية للحكم. فالتجربة العراقية أثبتت أن المشكلة لا تكمن دائمًا في الأشخاص، بل في النظام الذي يقيّد حركتهم. وبين طموح الإصلاح وضغوط الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون الزيدي بداية انفراج، أم حلقة جديدة في سلسلة الأزمات؟



+ There are no comments
Add yours