(بهار) بين السرد والشعر: قراءة نقدية في قصيدة حسن عبد الحميد وملحقها إلى أمجد توفيق

نمتار  / أكرم توفيق

تنهض قصيدة (بهار) للشاعر حسن عبد الحميد على تجربة جمالية لافتة تتكئ على استدعاء شخصية روائية معروفة من رواية (الساخر العظيم ) للروائي أمجد توفيق لتعيد تشكيلها داخل أفق شعري مختلف.

هذا الاستدعاء لا يأتي بوصفه استعارة عابرة أو تلميحاً ثقافياً سطحياً بل يتجسد كفعل إبداعي واع يقوم على تفكيك الشخصية السردية وإعادة إنتاجها رمزياً بما يفتح النص على مستويات متعددة من القراءة والتأويل.

منذ اللحظة الأولى ندرك أن (بهار) في القصيدة لم تعد تلك الشخصية المحكومة بسياق روائي محدد بل تحولت إلى كيان شعري متحرر من قيود الحكاية.

لقد غادر الشاعر حدود السرد ليعيد بناء (بهار) بوصفها علامة دلالية كثيفة تتجاوز الفردي إلى الجمعي والواقعي إلى الرمزي.

فهي تارةً تبدو تجسيداً للبراءة المهددة وتارةً أخرى تتبدى كصورة للأنوثة المثخنة بالجراح وفي مستويات أعمق يمكن قراءتها بوصفها معادلا للوطن ذلك الكيان الذي يُحب ويُفقد في آن واحد.

هذا التحول من السردي إلى الشعري يكشف عن وعي جمالي واضح لدى الشاعر إذ لم يكتفِ بنقل الشخصية بل عمل على إعادة تأويلها بحيث تصبح أداة لطرح أسئلة وجودية تتعلق بالفقد والخذلان وهشاشة الحلم. وهنا لا تعود العلاقة مع (بهار) علاقة عاطفية تقليدية بل تتحول إلى علاقة تأملية يتخذ منها الشاعر مرآة لقراءة ذاته والعالم من حوله. إنها ليست موضوعاً للغزل بقدر ما هي وسيط للكشف وحامل لقلق داخلي يتسرب عبر اللغة والصورة.

وعلى مستوى البناء اللغوي تمضي القصيدة في مسار يجمع بين الفصحى المعيارية والانزياح التعبيري حيث يحافظ الشاعر على سلامة التركيب اللغوي لكنه في الوقت نفسه يحرّر الدلالة من قيودها المباشرة. فـ(بهار) لا تُقدَّم بوصفها جسداً أو حضوراً مادياً بل كطيف.. كذاكرة.. كحلم يتشكل ويتلاشى.

هذه التقنية تمنح النص طابعاً إيحائياً وتدفع القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى بدلاً من تلقيه جاهزاً

كما أن توظيف التناص في القصيدة لا يقتصر على البعد الجمالي بل يمتد إلى بعد ثقافي واضح.

فاستدعاء شخصية معروفة يخلق نوعاً من الحوار الضمني بين النص الشعري والنص الروائي ويضع القارئ أمام تجربة مزدوجة .. قراءة القصيدة في ذاتها .. وقراءتها في ضوء مرجعيتها السردية. وهذا ما يمنح النص عمقاً إضافياً ويجعله مفتوحاً على تأويلات متعددة تختلف باختلاف خبرة المتلقي ووعيه بالنص الأصلي.

غير أن هذا الاشتغال على أهميته لا يخلو من بعض المآخذ الفنية إذ تميل بعض المقاطع إلى قدر من الاسترسال الذي قد يضعف من كثافة الصورة الشعرية ويخفف من حدة التوتر الدلالي.

وكان يمكن للنص أن يحقق قدراً أعلى من التأثير لو اتجه نحو مزيد من التكثيف والاقتصاد اللغوي بما يحافظ على توهجه ويمنع تشتت إيقاعه الداخلي.

أما الملحق المعنون (إلى أمجد توفيق) فيمثل بعداً مكملاً للقصيدة يتجاوز كونه إهداء تقليدياً ليغدو نصاً موازياً ذا وظيفة تأويلية واضحة.

ففي هذا الملحق يعلن الشاعر صراحة عن مرجعيته ويؤسس لعلاقة حوارية مع الروائي تقوم على الاعتراف والتفاعل لا على الإخفاء أو التناص الضمني. وبذلك يتحول الإهداء إلى جسر بين جنسين أدبيين يربط الشعر بالرواية في علاقة تكاملية.

إن أهمية هذا الملحق تكمن في أنه يوجّه القراءة ويفتح أفقها إذ يدعو القارئ بشكل مباشر أو غير مباشر إلى العودة إلى النص الروائي أو على الأقل إلى استحضاره أثناء قراءة القصيدة. كما أنه يمنح العمل بعداً أخلاقياً يتمثل في إقرار الشاعر بمصدر إلهامه وهو ما يعزز مصداقية التجربة ويؤكد وعيها بذاتها.

وعلى المستوى الدلالي يضفي هذا الإهداء معنى إضافياً مفاده أن (بهار) لم تعد حكراً على الرواية .. بل أصبحت كياناً قابلاً لإعادة التشكل عبر نصوص أخرى.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الشخصيات الأدبية الكبرى .. قدرتها على تجاوز حدود نصها الأصلي والانفتاح على قراءات وإبداعات جديدة.

في المحصلة تقدم قصيدة (بهار) تجربة شعرية غنية تنجح في تفعيل التناص بوصفه أداة إبداعية لا مجرد استعارة شكلية وتؤكد قدرة الشعر على استيعاب السرد وإعادة إنتاجه ضمن أفقه الخاص.

فيما يأتي ملحق (إلى أمجد توفيق) ليكرّس هذا التوجه ويمنح النص بعداً حوارياً وثقافياً يعمّق من دلالاته.

إنها تجربة تكتب في منطقة التماس بين الأجناس الأدبية حيث لا يعود الشعر معزولاً عن السرد ولا تبقى الشخصية الروائية أسيرة نصها الأول بل تنفتح على احتمالات جديدة تؤكد أن الإبداع الحقيقي هو ذلك الذي يتجاوز حدوده ويعيد اكتشاف نفسه في نصوص الآخرين.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours