نمتار / عماد آل جلال

أعادت أغنية “متى” لكاظم الساهر إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً لسنوات: هل ما زالت الأغنية العراقية قادرة على إنتاج أعمال جماهيرية واسعة الانتشار دون أن تتخلى عن هويتها الفنية؟
الآراء النقدية التي رافقت صدور الأغنية كانت متباينة، وهو أمر صحي في الحياة الثقافية. فقد رأى الناقد حسن عبد الحميد أن «متى» لا تمثل الذروة الفنية في مسيرة الساهر الطويلة، وأنها لا يمكن مقارنتها بالأعمال التي صنعت مجده العربي خلال العقود الماضية. وفي المقابل، وجد فيها الكاتب المعروف صباح ناهي عودة واضحة إلى روح اللحن العراقي وإلى البيئة الموسيقية التي انطلق منها الفنان في بداياته.
غير أن هذه الأحكام، على أهميتها، تبدو أحياناً أسيرة المقارنة التاريخية أكثر من انشغالها بقراءة العمل في سياقه الراهن. فليس من الضروري أن تكون كل أغنية جديدة أفضل من أشهر الأعمال السابقة لكي تكون ناجحة أو مؤثرة. كما أن قياس أي عمل جديد على منجز فني تراكم خلال أكثر من أربعين عاماً قد يحجب بعض خصائصه الذاتية ويمنع رؤيته بموضوعية.
لقد حققت “متى” حضوراً جماهيرياً لافتاً، باعتقادي لأنها خاطبت وجداناً موسيقياً افتقده الجمهور العربي خلال السنوات الأخيرة. فالأغنية جاءت محملة بملامح عراقية واضحة في اللحن والإيقاع واللهجة، من دون أن تقع في أسر التقليد أو التكرار. وهذا ما منحها شخصيتها الخاصة وجعلها مختلفة عن كثير من الأغنيات المتشابهة التي تملأ الفضاء الرقمي اليوم.
ومن اللافت أن بعض القراءات النقدية انشغلت بتحديد موقع الأغنية في سلم أعمال كاظم الساهر، بينما تجاهلت دلالتها الأوسع في المشهد الغنائي العراقي. فالقضية ليست ما إذا كانت (متى) أفضل من أغنية سابقة أو أقل منها، بل في كونها أعادت الاهتمام بالأغنية العراقية كمشروع فني يمتلك مقومات الاستمرار.
لقد أثبتت التجربة أن الأغنية العراقية كلما اقتربت من جذورها ازدادت قدرتها على الوصول إلى الجمهور العربي. وهذا ما حدث مع أعمال عراقية كثيرة عبر التاريخ، إذ لم تنتشر لأنها تخلت عن خصوصيتها، بل لأنها قدمت هذه الخصوصية في قالب فني قادر على مخاطبة الجميع.
إن مستقبل الأغنية العراقية لا يكمن في ملاحقة الصيحات الموسيقية العابرة، بل في استثمار ثرائها المقامي واللحني والشعري. فالعراق يمتلك واحداً من أغنى الموروثات الموسيقية في المنطقة، وما يحتاجه اليوم هو إعادة تقديم هذا الموروث بروح معاصرة تستوعب التحولات التقنية والذوقية دون أن تفقد هويتها. وإذا كان النقاد قد اختلفوا في تقييمها، فإن الأغنية نجحت في تحقيق ما هو أهم من الإجماع النقدي، لقد أعادت فتح النقاش حول مستقبل الأغنية العراقية ومكانتها في الخريطة العربية.



+ There are no comments
Add yours