بيروت الحزينة

نمتار /د. ناصر زيدان

تخرج الصدمة من كلِ زاوية، ويصدحُ الصراخ من بين الإنقاض وعلى جوانب مكان الإنفجار، بينما المارون على الرصيف يتوقفون لمعرفة ما جرى، ورؤيتهم للحدث الذي نجو منه لا تسعفهم في إدراك ما حصل، الى أن ينظروا الى هواتفهم فتتعاقب “الفلاشات” التي تحدثهم عما جرى. من “الفلاشات” ما يُقارب مضمونها الحقيقة، ومنها ترويج لسردية المعنيين بالعدوان. أنها جانب من مأساة بيروت اليومية، في النهار وفي الليل سيان. أما الجانب الأخر من حياة المدينة الحزينة؛ فقد تحوَّل رأساً على عقب، ومنذ ما يقارب الشهر دخلت حياتها في تنازُع واضطراب، يُشبه بعضه ما كان يحصل قبل ما يزيد عن 40 عاماً (على ما يذكر معاصري تلك الحقبة) بينما فرض التطور السيبراني والتقني أنماط تخريبية حديثة على بعضه الآخر.

وتعود الحياة الى طبيعتها بعد الغارة المعادية، وتعود الأسئلة والتحليلات، بين المارة الذين لا يعرفون بعضهم، وبين الزملاء في أماكن العمل، حتى أن الدركي الواقف شهماً على الإشارة المُعطلة؛ يسألك: في شي؟ شو صاير؟ وتكاد الدراجات النارية المُتفلِّتة تمرُّ من بين أقدامه لو كانت الأقدام أطول بقليل مما هي عليه. وبينما أنت في حضرة مشاهد غريبة – مُعتادة، يشدُّك شجار بين متسابقين على الطريق الى مشهدٍ آخر، ترى بين لكنة المتشاجرين المختلفة فحيحُ وعيد، وإنذاراتُ شؤمٍ مؤجلةٍ التنفيذ الى ما بعد انتهاء الحرب – العدوان، وتتخايل مع ذلك مشهدٌ آخر لم يتبلور بعد، أو أنه قد لا يتبلور على ما يرغب المُهددون.

الكُل يسألك عما سيحصل، وأنت تسأل الكل عما حصل. العدو في دارك وفي السماء مُتفلِّتٌ من كلِ القيود، والقتل عنده تقطيع وقت وجبة الحراسة من دون ملّل، أما الأشلاء والدماء والخراب؛ فتفاصيل لا تستحق الوقوف عندها. والصديق والجار؛ جارَ عليك وجار عليَّ، ورماك في الجبِّ بين الذئاب، وما “أرحم الذئاب يا أبي”. يستحضرون الأهداف الى الشوارع المُكتظَّة والى الحارات البائسة والى الأزقة، وينتظرون مصيراً قاتم من عدوٍ مجرمٍ غاشم في كل لحظة وهم بين أحضان الأمهات، أو الى جانب الأطفال المندهشون من مشهدية لم يروا مثلها حتى في لعبة السوبرمان الافتراضية.

أرصفة الشوارع المُخصصة لإحتضان أقدام المشاة؛ ها هي تحتضنُ الأحبة، وينام عليها المعذبون والمشردون النازحون، وتفترشها الحصائر والوسادات المجعلكة، وتغطي بعضها شوادرٌ عتيقة تكاد تُشبه الخيم، وليست خيم، وتجري من تحتها أنهار مياه الأمطار التي لم يتوقف تدفقها طيلة شهر آذار، في كرمٍ طبيعي قلَّ نظيره، لكن العشب كان قد احترق، والأشجار يبست خزناً على هجرة أهلها، وأصبح المطرُ ويلاً وعبئً ثقيلاً، بدل أن يكونَ خيراً وفلاح.

بيروت “مدينة العالم” قصةٌ لا قدرة للكمات على كتابتها بكامل مفاصلها؛ حَضنت التجارب، وكنكنت على الكتاب وعلى التاريخ خوفاً من ضياع، وحفظت المعالم التي نجت من هول حفلات التدمير البشرية المُتعاقبة، وتلاقحت فيها الأفكار والخمائر، وانجمعت فيها النيران واللآليء في وكارةٍ واحة، وعصرت حياتها العِبر المتناقضة التي لا يتخيلها السَحَرة؛ تُقدِّم العشاء لروادها – المعروفين منهم والغرباء – على العتمة، ولا تهرب عند انطلاق سفارات الإنذار من دون أن تدفع الفاتورة. تشعُر بيروت كأنها محمية من آلهةٍ مرّوا، ومن آلهٍةٍ لم يولدوا بعد. تساعد الدولة على انتاج الحِكمة والصبر والمعونة، بينما الدولة المنكوبة مصدومة من الجفاف العاطفي الذي يُصيب الأقربون من المتحاربين بما يوازي صلافة الأعداء أحياناً. وهؤلاء الذين لا يتورعون بتقديم دمائهم من أجل “الخط” الذي يؤمنون به، يبخولون بالحديث ولو بكلمة واحدة مع المسؤولين، وعن المستقبل، كأنما إفشاء السرّ عندهم أغلى من الدماء.

المدينة حزينة… والشوارع حزينة… والأبنية حزينة… واليماماتُ حزينة… والجامعات حزينة … والمدارس حزينة، بينما المشاعرُ دفينة، والعيون تدمع من شدَّة الألم. لا تستحق بيروت هذا العذاب، وما ذنب لبنان في منازلات صراع الأمم. أما إسرائيل التي تتخبَّطُ في كبوة مشاريعها الانفلاشية الخبيثة، وتأنُّ خوفاً من “التنيين” الذي سيقتلها يوماً انتصاراً لدماء الأطفال؛ تنكبُّ على عروسة البحر، وتفرغُِّ حقدها على مينا الحبايب والشطّ اللي دايب وزهرة الياقوت.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours