بحبر/ رئيس التحرير
يصل دوستويفسكي ببعض جوانب من روايته الرائعة “الأبله” إلى قناعة مفادها أن الغبي لو يعلم أنه غبي، لما كان غبيّاً، في وقت يفصح فيه “ستيف جوبز” مؤسس وصاحب شركة “آبل” للبرامجيات، بأن من غير المنطقي توظيف الأذكياء، ثم نُخبرهم بما عليهم أن يفعلوه، بعدها يُضيف قائلاً؛ “نحن نوّظف الأذكياء لكي يُخبرونا بما علينا أن نفعله”، تحضرني عبارة تراوحت ما بين نكهة جدٍّ وملّمح هزل شاكسني بها صديقي الموسيقار والمايسترو وعازف البيانو د.سلطان الخطيب حين قال؛ “نطوّر الذكاء الاصطناعي، ولا نهتم بالغباء الطبيعي!!”، حدث في عقود مضت بأن عَلمِ جوزيف ستالين، بوجود مؤامرة كبيرة تتعلق بمعمل الإطارات الذي منحته لهم -بمثابة هدية لله بالله- شركة فورد الأمريكية، قد دأب هذا المعمل على الإنتاج الجيد طوال عدة سنوات، قبل أن يتوّقف فجأة، وأخذ ينتج دواليب سرعان ما تنفجر بعد السير لبضعة كيلومترات، ولم يتم التوصل لمعرفة السبب، هكذا يقول خروشوف الشخصية السياسية الروسيّة البارزة -آنذاك- ذهبتُ للمعمل بأمر الرفيق الأعلى ستالين لأستفهم الأمر -بشكل مباشر- وبعد اللتي والتيا -والكلام لم يزل لخروشوف- كان أن لفتت نظري قائمة مثبّتة على حائط موجود عند مدخل المعمل، وهو ما يُعرف بـ “حائط الأبطال” ممن تُعلّق عليه صور أفضل العمال والإداريين من الذين عملوا بجد ونشاط مُلفت خلال شهر، وبعد الانتهاء من التحقيقات المباشرة والدقيقة مع كافة الملاكات الإدارية والهندسية والفنيّة الأخرى، لم يصلوا إلى أية نتيجة، أُصيب الرجل بالإحباط التام، وبينما كان يتمشى مُدققاً بكل شيء في موجودات ذلك المعمل لمح اسم أحد المهندسين يتصدّر قائمة حائط الأبطال المتميزين منذ ستة أشهر، وهي ذات المدّة التي بدأ فيها تردي صنع الإطارات، الأمر الذي دعاه لاستدعاء ذلك المهندس إلى مكتبه للتحقيق معه، وبعد سيل أسئلة واستفسارات، وفق ما جاء على لسان المهندس إياه، تبيّن أنه يسعى لأن يوّفر ملايين الروبلات للمعمل وبالتالي للدولة، تحت ذريعة العمل على تخفيف الأسلاك المعدنية في الإطار، وذلك بدوره سيوفر مئات الأطنان من المعادن يومياً، شاء وأن اجتاحت نشوة سعادة غامرة ملأت قلب خروشوف اللبيب، حيال ظفره بحلّ هذا اللغز، فقام في الحال بالاتصال بسيّده ستالين ليخبره بما توصل إليه، وما كان من الأخير سوى الرد الحاسم في الحال قائلاً؛ “وأين دفنت جثة هذا الغبي؟”، أجابه الأول مُصرحاً بالنصّ؛ “في الواقع رفيقي لم أعدمه، بل سأرسله إلى سيبيريا، لأن الناس لن تفهم لماذا نَعدم بطل إنتاج!”، إذن ليس بالضرورة أن يكون الفساد والسرقات هما بيت العِلل ومربط الداء، بل أن نضع الأغبياء في مواقع مهمة وأساسية، ونجزيهم بالتكريم وشارات الإبداع، كي ينهار البلد وتهرب المواهب والكفاءات منه، طالبةً، حالمةً بكسب رزق حلال على رزق حلال، والظفر بإحترام وتقدير يليق بذواتهم وخبراتهم، على أكمل وجه.
ح.ع.الحميد
+ There are no comments
Add yours