ذكرى محمد نادر – جنيف
كان مبتدأ النهار صباحاً عادياً ولم يكن الوقت مبكراً , كنت برفقة فنجان قهوة بالحليب و صوت فيروز يرن مطبطبا على أرجاء الصمت في بيتي, رحت أتصفح بهدوء صفحات منصة تويتر أو ما أصطلح على تسميته مؤخرا بمنصة اكس وهو أسم لم يثر إعجابي حتى اللحظة قط , لتداهمني على نحو مفاجئ مشاهداً لفيديو قصير نشرها كاتب خليجي صوّر فيه جرّافة حديدية تُجرف بقسوة ولا مبالاة مئات الكتب مُلقيةً بها الى مكبات التلف !
كان المقطع المصوّر يبدو لي, وكأنه جريمة صامتة لقطف أرواح ملايين الكلمات التي تستنجد بحناجر تفتقد الصوت ,تستغيث منادية اصحابها ممن دبجوا اوراقها بأفكارهم ومشاعرهم وتجاربهم لتصرخ بهم : أنهم يحرقوننا !! !
كان صوت ناشر هذا المقطع القصير مصاحبا لهدير العجلة وهي تدفع بمئات الكتب الى مقابر مجهولة يشرح بشيء من الارتياح وبدون أسى ليحدثنا , أنه سعيد لأن كتبه آمنة من هذه المحرقة لأنها منشورة على صفحات الانترنيت , وأنه معفيٌ من ألم مراقبة أصحابه الورقيون يتلون بألسنة اللهب !
غصصت برشفة القهوة بسبب ما خلفه لي منظر الكتب وهي تُغرف بلا رحمة بكف حديدية ضخمة بعيداً عن أرفف المكتبات , أحيت بيَ على الفور هذه الحادثة المصورة مشاعر متضاربة ترواحت بين موجات الحنين متذكرة لهفتنا القديمة, لحظة رؤيتنا نحن الكُتّاب لأسمائنا مطبوعةً على منجز إبداعي, أو على أول مقال منشور لنا يتوج إنتظارنا بشيء من الزهو والإفتخار, لم يكن يخطر في بال أحدنا يومها ولا حتى في أسوأ كوابيسنا, أنه سيأتي يوم علينا نشهد فيه جرّافات مزمجرة تُجرف دون رحمة كتبنا وتلقي بها طعاماً للنار !
لكنه في نفس اللحظة, أو لنقل بعد هنيهة وعي , أيقظ في ذهني فكرة أخرى, إذ خطر في بالي ما كنت أرفض حتى اللحظة الإعتراف به : لعله محق صاحب هذا الفديو القصير فيما ذهب اليه, بإشهار سعادته بنجاة كتبه من السنة اللهب, وبأنه لطالما ذكر متابعيه بقيمة وجدوى النشر الألكتروني .. مكرراً للتنبيه : حذرتكم مما ينتظر كتبكم وما سمعتموني !
هذه الفكرة دفعتني للتفكير معمقاً , بل وأظنها في عين الوقت, أنقذتني من الوقوع في شرك الحسرة ولهيب الالم، إذ أنني وللمرة الاولى رحت أتأمل بإيجابية ما يعنيه نشر الكتب على المواقع الالكترونية, وما توفره هذه الخاصية من فائدة الوصول للنشر دون صعوبات تذكر أو تعقيدات للكاتب, بل وما تلبيه من سهولة تيسير الوصول اليها من قبل القاريء المهتم , ولعل النقطة الاهم هي أن النشر الالكتروني سيُنقِذ الكاتب حتما من مكائد دور النشر وأستغلال أصحابها بطرقهم المخادعة التي يتلاعبون بها بالأديب أو الكاتب الذي يوليهم ثقته , ولي في هذا الخصوص قصصاً مؤسفة مع دور نشر في عواصم عربية مختلفة قد أكتب عنها مقالا مفصلا وبالادلة , أخرها ما حدث مع الدار الاهلية للطباعة والنشر في عمان/ الاردن ,والتي تعاقدت معها العام المنصرم في 11 تموز عام 2024 على طبع كتبي ودفعت لهم مقدما معتمدة على مبدأ
الثقة التي يفترض أنها أهم ما يربط الكاتب بدار النشر كامل مستحقاتهم المالية فور توقيع العقد , وكنت مخطئة في إيلائهم الثقة ,وها أنا منذ عام كامل أنتظر منهم ما يتوجب عليهم عمله والايفاء به, غير أنهم حتى اللحظة لم يكلفوا أنفسهم عناء الرد على هواتفي ولا على رسائلي الالكترونية المتكررة, ولم يجشموا أنفسهم عناء تلبية الرد على رسائل أرسلتها لهم مكتبة الزيتونة في مدينة جنيف والتي ابدى صاحبها الرغبة بشراء نسخ من كتبي ! ,
لقد أضاعت عليَ الدار الاهليه للطباعة والنشر لصاحبها السيد أحمد ابو طوق, فرحة رؤية كتبي وهي تعلو رفوف مكتبات موطنها الأصلي العراق, وفوتوا علي فرصة لقاء القرّاء في أمسية حفل تواقيع كنت أتحرق لها شوقا, وتركوا في نفسي حسرة أنني حتى اللحظة لم أستلم حصتي المتفق عليها من الكتب !
وهذا العناء كله دفعني لتجاوز حسرة رؤية الكتب المرفوعة بكف جرافة حديدية نحو المحرقة, لافكر بإيجابية بالتعامل مع عالم التقنيات الذي لم أكن أرغب بالانخراط به, ولا الاعتراف بأهميته مدفوعة بفكرة طوباوية تتمثل بأنه حريٌ بنا نحن الكُتاب أن نحافظ على إخلاصنا للورق وأن لا نهجره لصالح عالم التقنيات !
ورغم , أنني حسبما أظن لن أتخلى عن متعة رفقة كتاب ورقي قرب وسادتي , غير أني تساءلت في نفسي : لو أنني إنخرطت مبكرا في هذا العالم الجديد , هل كنت سأقع ضحية لدور النشر ولاستغلال اصحابها؟ أما كانت كتبي ستصل للقاريء بعملية ميسرة وبتكلفة وجهد أقل؟
كان فنجان قهوتي بارداً عندما إستعدت نفسي من افكاري المتضاربة أنظر الى لونها البني المخلوط بالحليب وقد هُيأ لي كأني اراها حروفا على ورق الحليب : أنه لون يشبه ما ينتابني الان من مشاعر ما زالت تكتنز فيه نكهة حسرتان, حسرة منظر الكتب محمولة بجرافة الى مثواها الأخير , وحسرة كتبي التي لم أرها حتى الان وهي في مهودها الطبيعية.
فلا بأس إذن, وليس متأخراً قط ،ألاقتداء بحكمة الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الذي جاء على لسانه قبل مولد المسيح مدحا في التغيير : أن التغيير بحد ذاته أبدي ودائم , ولا يموت .
حسنا جدا, فنلتغير, أنه المستقبل وهو بلا شك قادم , اليس كذلك؟..
+ There are no comments
Add yours