مروان ياسين الدليمي – اربيل
1-
أحيانًا
تبدو الكراهية مثل غيمة من الياسمين،
تدّعي الطهارة بينما تسقط على كتفيك
قطرات من خمرٍ مسموم.
تأتيني من حيث لا أتوقّع،
من فمٍ كنتُ أطعمه الكلمات كأنها تمر،
ومن عينٍ كنتُ أظنها مرآتي.
قال لي الحائطُ ذات يوم:
“أنتَ لا تُشبه ما فيك،
تبدو من بعيد شجرة زيتون،
لكنّ جذورك مغروسة في بركان”.
ضحكتُ،
ثم مسحت الرماد عن وجهي
وعدتُ إلى وحدتي،
التي تعلّمتُ أن أقدّم لها فنجان قهوةٍ
كلّ صباح،
قبل أن أخرج إلى العالم
الذي يشبه قميصًا بلا أزرار.
2-
لمحتُ وجوهًا تعبرني
كما تعبر السكاكينُ رغيفًا دافئًا
ظننتُه سيكفيني لشتاءٍ كامل.
كلّ وجهٍ قال لي شيئًا،
لكنّ عينيه قالتا العكس.
بعضهم يربّت على كتفي
كمن يتحسّس لحم الذبيحة
قبل أن يقرر وزن الطعنة.
كنت أضحك،
وفي الداخل،
ضحكتي تأكل نفسها بأسنانٍ خشبيّة.
في مواقف كثيرة كنت أمدّ يدي
لأصافح صديقًا،
فتصافح يدي جدارًا بارداً يتقمّص ملامحه.
أقسمُ أن الحجر كان يهمس لي:
“هو لا يراك،
هو فقط يُجرّب كيف يكون قلبك طريًّا.”
صمتي لم يكن تقشّفًا في الكلام،
بل خوفًا من أن تنزلق كلماتي
وتغرس في قلب الآخر مرآةً
يرى فيها وجهي كما لم أره من قبل.
ربما لذلك
كانت الوجوه ترتبك حين أبتسم.
3-
كان ظلّي الوحيدَ الذي لم يخنّي،
يمشي على الحيطان إذا مُنِعتُ من الأرض،
يُطيل قامتي
حين يُقصّرني العالم،
عندما اصطدمتُ بأوّل خيبة،
لم يكن هناك من يُمسك يدي،
إلا المِرآة،
وكانت يومها تُجيد السخرية.
قالت لي بنبرةٍ من زجاج:
“أنت لست كما تحلم،
أنت فقط النسخة التي فرّت من الصدق.”
أشخاصٌ مرّوا عليّ
كما تمرّ الأشباح في غرفٍ ميتة.
أحدهم خلط اسمي بنكتة،
ضحك،
ثم تركها في فمي.
وآخر
ارتدى وجهي حين أراد أن يكذب.
الغريب في الأمر
أن أكثر من آذاني
كان يضحك بصوتٍ يشبه صوتي،
ويقترب مني
كما تقترب النار من خشبٍ
تظنّه ماءً.
أعترف أني في لحظاتٍ كثيرة
كنت أرتكب الطيبة كما يرتكب الناس الذنوب،
وأمنح اسمي لمن أراد أن يستخدمه جسرًا
ليعبر بي.
لكنني ما زلت أتنفّس،
وهذا وحده كافٍ لأكمل السير،
مع ظلّي الذي لم يتركني،
حتى حين قالوا لي:
“وجهك لا يُطمئن.”
4-
كلما فتحتُ درجاً قديماً خرج منه عطرٌ
يشبه صرخة مكتومة بين ضلوعي،
وصورةٌ لم ألتقطها لكنها تعرف اسمي جيداً،
وتبتسم لي كأنها أمي،
قبل أن يغلق الباب بوجهي.
بعض الذكريات لا تعود إلينا بل تهاجمنا،
تدخل من مسام الجلد كأنها بردٌ قديم
ينتظر سقوطك ليحتمي بك.
المدينة ليست مكاناً.
بل شخصٌ تعرفه
ثم يخونك
ولا يتوقف عن إرسال الرسائل
التي تحمل عنوانك،
لكنها ليست لك.
بعض أصدقائي السابقين
كانوا مثل نوافذ مهشّمة
تُطل على حدائق من زجاج،
كلما اقتربتُ
نزفتُ من شفافيتي.
أصعب الوجوه ليست تلك التي كذبتْ،
بل التي صدَّقَتكَ
ثم اختفت،
تركتك في منتصف جُملةٍ
كأنك فعل بلا فاعل
في درس نحوٍ معلّق على حائط مدرسة قديمة.
كلّ مساء،
حين أُطفئ المصباح،
أسمع قلبي يتنفّس كعجوزٍ
ينتظر حفيده الذي لا يعود.
5-
ثمّة أصوات لا تخرج من الحنجرة،
بل من أماكن أعمق،
من كسرٍ نائم في ضلعٍ نسيه الطبيب،
من ذكرى عَلِقتْ كشظيّة في لحم الروح.
كنتُ أتحدّث إلى الجدران
لأنها الوحيدة التي لا تغيّر رأيها بي،
كلما اعترفتُ بخيبتي أجابتني بتشقّقات جديدة،
كأنها تقول لي:
“هذا صدقك، وهذا رسمُهُ.”
بعض الكلمات
تصعد من حلقي كما تصعد الأشواك،
تجرحني
ثم تختبئ في لغتي.
أقول: “أنا بخير”
فتضحك دموعي من هذه النكتة المألوفة.
الذين أساءوا لي لم يتركوا جُرحًا،
بل فتحوا نوافذ يدخل منها البرد
كلّما قررتُ أن أرتاح.
الخذلان لا يقتلنا دفعة واحدة،
بل يقتفي أثر أنفاسنا
كقطٍ ضالّ يشتهي طعامنا المالح.
حين سألوني:
لماذا لا تُدافع عن نفسك؟
قلت: لأنني لا أجد من يستحق العراك.
الصمتُ درعي الوحيد،
والشكّ هو المرآة الوحيدة التي لم تخنّ بعد.
وكلما ناداني أحدهم باسمي
كنت ألتفتُ
وأبحث عن الطفل الذي كنته،
أسأله: هل هذا الصوت لنا؟
أم أننا فقط نُستَخدم؟
6-
لا شيء يجيبني حين أسأل:
“لماذا؟”
لماذا تُحاك الكراهية
من خيوط لم ألمسها قط؟
الزمن
ليس نهرًا كما ظنّ الشعراء،
بل سوقٌ
يعرِض فيه الناس وجوههم للبيع،
وكلّما تأخّرتَ عن البضاعة،
اشتراكَ أحدهم بوجه يشبهك
ثم باعك.
كلّما حاولتُ أن أقرأ الحياة
كديوان مفتوح،
قلبتني الصفحات إلى قصائد
لا أعرف كيف كُتبت.
هل أنا من كتبها؟
أم شخصٌ تسرّب من سطرٍ منسيّ
ثم ندم؟ .
وها أنا،
أجلس في آخر النص،
أُحصي ما لم يحدث،
وأبتسم للمرّات التي خُدعت فيها،
كأنني أقول للعالم:
“جرّبتم كثيرًا،
لكنني
ما زلت أتنفّس،
وأكتب.”
+ There are no comments
Add yours