مقاربة أدبية بين المادية والشفافية
(قراءة فلسفية جمالية)
بقلم / د.مروه_العميدي
برع الشاعر في كتابة قصيدته بلغة شعرية عالية ثرية بالصور والتشبيه والإستعارات، مستثمرًا فيها الطاقة الرمزية للفظ والمعنى العميق، اللغة فصحى مشحونة بنعومة وجدانية توازي ترف اللحظة الشعورية، إذ تغدو الجملة أشبه بوردة تتشمس في غابة الأفكار، متخففة من أي ثقل بلاغي تقليدي، فينساب المعنى كما ينساب الزمن بين أصابع الوجود.
وظف الشاعر بإمكانية عالية جملًا قصيرة متوالية مشبعة بالمجاز، وهذا عزز التتابع الإيقاعي الحالم وأعطى النص هوية موسيقية داخلية خالية من قيود الأوزان التقليدية، مما جعل القصيدة ترفرف في فضاء “النثر الشعري” المتحرر من القافية والوزن، دون أن تفقد رهانها الجمالي.
ولو أطلنا النظر في البناء الفني والصور الشعرية التي تغزو القصيدة لوجدناها مرصعة بصور تتلاحق كلمعة القمر في عين بئر ساكنة، فكل عبارة مبنية وفق صورة شعرية مكتملة، إذ يقول:
“النجوم تتساقط كدموع الفرح”
هذه الإستعارة تلم النقيضين(الدموع والفرح) في توحيد جدلي بين الأسى والنشوة.
“الريح تمر كخيط حرير يمر عبر إبرة الخياطة”
صورة محسوسة تجمع بين الثقيل والمرهف، وتجسد النعومة في الحركة.
“القمر يطفو كقطعة سكر تذوب في كوب شاي أسود”
تشبيه مبتكر يمزج بين التبصر والتذوق في مفارقة تجمع التلاشي والامتلاء.
أن كل صورة في النص ليست مجرد حُلية وإنما موظفة لتحمل دلالات تشرع لنا نوافذ التأويل وتمنحنا كقراء حرية التجوال في عوالم متنوعة ما بين الحلم والذكريات والحب والوجود.
وعلى المستوى الفلسفي نرى أن الشاعر برع في تحويل قصيدته إلى تأمل هادئ في الزمن والحب والذكريات والأثر، فهو لم يصف حالة شعورية وإنما جعل من القصيدة منفذًا لخطابًا ضمنيًا مع الوجود ومع جدلية الخلود والفناء ويقول:
“الذكريات تتراقص…
تحاول الهروب إلى النور”
وهذه إشارة إلى صراع الإنسان مع الذاكرة ومع ما مضى فهو يتوق إلى أن يتجلى في نور المعنى.
“الحب… جذوره في السماء”
الحب هنا لا يخضع لقانون الجاذبية بل ينعكس على الأرض وأمه السماء وهذه جدلية ربما يتفق عليها.
“الوقت كخيط عنكبوت… ونحن عالقون”
رؤية تساؤلية وجودية للزمن كفخ، لكن قطرات الندى(نحن) رغم هشاشتها تظل تلمع في إنتظار التحول.
والقصيدة في مجملها تنزع نزعة هيراقليطية تركز على التغير الدائم والصيرورة والتدفق المستمر في الفضاء، إذ أن كل شيء في حالة حراك دائم، ولكن يبقى شيء واحد أبدي وسرمدي هي الكلمة ويقول:
“ستبقى الكلمات
كآثار أقدام
على رمل شاطئ
غَسلته الأمواج ألف مرة
ولكنه يعيد رسم نفسه
في كل مرة
بخط أجمل…”
وبنهاية متقنة وعميقة تشيد القصيدة أن الكلمة هي الأثر والبقاء والتجدد، وكأن الشاعر يوقع على وثيقة الحياة بشاعريته ويعلن أن الفن وحده يعيد تشكيل الوجود في وجه الزوال.
القصيدة:
(( عَلى شاطئ الكَلِمات))
شِعر / ايهاب عنان





+ There are no comments
Add yours