حسن عبدالحميد
“لا تأريخ إلأ تأريخ الروح”يقول شاعر الوجوديّة والظمأ إلى الكمال” ريلكَه” بحسب ما يُطلقون عليه مُعجبيه وأرهاط من محبيه،ومن قبله قال جلال الدين الرومي “الروح التي فيها شيء من روحك تعرف كيف تخاطبك،بلا كلمات”،وفي مقام أخر أفاد” قد يأتي أحدهم،خفيفاً يطفو بجانبك،في كل هذا الغرق كجذع شجرة يصلح للنجاة”.

مقدمة كهذه أستسغتُها مدخلاً إلى رواية خالد شوكات “الصالحة”،بزعم إحتلال إتساقها المرتبة الثالثة من منجز سرديات هذا الروائي والشاعر،الباحث والسياسي،الوزير والنائب السابق،الكاتب والإعلامي والناشط المدني في مجال حقوق الإنسان،بعد صدور روايته الأولى”ودران .. سِرُّ آل منصور ” عن منشورات المصير- تونس في العام/2020،ليتليها رواية “السينارست.. قصص حُبّ ريفية” الصادرة عن ذات الدار في العام /2022،فيما جاء إصدار”الصالحة” بطبعتها الأولى عن منشورات أركاديا للنشر والتوزيع- تونس في العام/2023.
لعل دواعي هذا الرصد والإستذكار لما سبق إصداره،في لُجج توثيق قدرات ومهارات خالد شوكات في مناحي السرد -على وجة الدّقة والتخصيص-،يكمن بطبيعة الحال في صدق خصائص وثقة تبنّيه لسوالك وشوائك نزعات وقناعات هي أقرب للمغامرات السرديّة،عمّا هو سائد ومُتبع،في مهام اقتفاء أثر التأريخ وأخذه سنداً ومنحىً،حتى وأن أتى يترآى ذلك في مرآيا الماضي القريب،من عالم اليوم كما تلّمسنا وتنفسنا في خِضم تعاملات ما تناولته روايته “الصالحة” المُتبنية لقصّة الراهبة الكاثوليكية الالمانية البافارية كريستين هاين،التي أعلنت إسلامها وليتحوّل أسمها إلى حليمة،أو لّلا حليمة بعد رحلة عناء مضني عبرسلسلة مساعي بحث وتقصٍ وتوّهمات إحتمال،منذ هروبها من بلدة أيردين بإتجاه ميونخ ومن ثم الاستقرارفي دير يتصادف أن يستقبلها الأب فرنسيس ويتضّح أنه صديق والدها،وسيكون لهذا التمهيد في متون مجرياته لمعان وضوحه،وأثر حضوره في طبيعة الثيمة الاساسية لهذا العمل،حتى ظفرها وحفول زواجها من محمّد الخضر،كما سنرى ويرد-لاحقاً-.

هروب الراهبة
يبدو الخوض في حيثات ما برحت وبرعت في تناوله الرواية بسوالكها الوعرة- في جوانب معينة،محددّة-،أقرب لما يُحاذي ليتعالق ويتجانب -بشكل وآخر- ليتجاذب مع تداخلات إحتمالايات التأريخ وشواخص الجغرافيّة وأفانين السياسة وعلوم الدين ببذرات ونواة لمَساته ومَسحاته ومساحاته العرفانيّة،الطُهارانيّة الروحانيّة،النورانيّة وصولاً إلى الصوفيّة وتجلياتها،بل حتى لا تخشى -تلك المغامرات- من أن رفع رايات تبشيريّة،كما يتبلّور ويتضح مما جاءت تبغيه الرواية وهي تقتفي وتقصّى سفوح ومديات وأفاق قصّة هذه الراهبة في سَفر رحلتها التي أبتدأت من بلدة”أيردين”في مملكة “بافاريا”وهي لم تزل بعمر سبعة عشر عاماً إذ تركها أبوها يوهان فون ديلا هاين،وهي بعمر السابعة أمانة عند أمها جوزفين،والتي تزوجت بدورها من رجل حقير يُدعى”فرانك هابرمان ” ما لبث يتحرّش بكريستين ويراودها عن نفسها مُصرّاً،مُلّحاً على إقتحام غرفتها ليلا ولمرات متكررة وعابثة بمشاعرها و إنسانيتها،وإذ تكتفي بحبس أنفاسها،خوفا وجزعا،الأمر الذي أضطرها الهرب إلى ميونخ بعد أن أضحت (أمرأة وهبها الله وجهاً أخاذاً كالبدر،وصدراً مكتنز جذّابان،وغنجا فطرياً يقطر دلالا،جعل رجال “أيردين ” يتساقطون أمامها رغبة،يسيل لعابهم الواحد تلو الأخر” الرواية ص11.
الضفة الأخرى
وعلى الضفة الأخرى من مناخ الرواية،يَشاء أن يُرزق سيدي علي الشريف بولد بكرأسموه محمّد الخضر بناء على طلب من سيدي بلقاسم البوتشيشي القادري قدّس الله سرّه حين زاره قبل أشهر في “توقرت”،وأخبره بإنه سيرزق بولد سمّه محمداً لكي يمنحه الله البركة،وسمّه الخضر ليمنحه الحكمة،وأضاف- كما يرد نصّاً على ص35 من الرواية-؛(فلن يكون له مثيل بأذن الله في هذه الصحراء الشاسعة قاطبة،من “تيهارات” (تيارت) وسيعلو نجمه في سماء العالم ظاهراً وباطاً ، وسيرفع رأسك ورأس أمّه إلى يوم الدين)،كما ويحدث أن يكون هذا الوليد-وفق تقاليد الأسرة- هو الوارث- بعد أبيه- لسّر الأشراف الفتايت و”رأس العرش” في صحراء البلاد الجزائرية.
لم أكن ممّن يألف أو ينساق نحو شرح القصّة بأبعادها التفصيلية،كوني أرى في ذلك ما يُفسد من متعة القراءة،ثم يكاد يأكل من جرف قيمة النقد ورواهن التقييم،لكني أجد نفسي مضظراً-هنا- لذكر بعض من أنساق وحواشي مثل هذه المعلومات،كونها تأتي بمثابة توضيح وتلميح لما تَقصّد نسجه ورصده وبث إشعاعاته “خالد شوكات”وفخره بحكاية لها جذورها الواقعية وأمتدادتها الإنسانية والوجدانية وسولكها الدينية،وحقيقة وجودها على أرض الواقع،وإذا كنا سنقلب هرم الأحداث،ونذهب إلى الفصل الأخير،الحامل للرقم 13من فصول “الصالحة”،
رواية الحفيد
ذلك المنضوي بعنوان “العشاء الأخير-رواية الحفيد”،بعد أن جاء بمثابة مسك ختام للرواية،وبداية أخرى لأحداث ووقائع تضمّنها ذلك الحوار الصحفي الذي أجراه الصحفي التونسي عبدالسلام لصيلع صباح يوم 03نوفمبر 1985 مع المهندس عبدالكريم الحسين الخضر،في مقر عمله في مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،حيث يشغل عبدالكريم المدير التقني لهذا المجمّع ،والواضح من هذا السياق إنه حفيد محمد الخضر الذي تزوّج من كريستين بعد أعلان إسلامها وتحؤل أسمها الى حليمة،أو لّلا حليمة- كما ذكرنا-في رحاب سِفر رحلات بحث مضنة طافت على مدار(3)شتاءات و(3)ربيعات”من ربيع و(3) أصياف”من صيف”وخريفيّن أثنين أبتدأت من شتاء ميونخ /توقرت /روما /نفطة/الاسكندرية/مكة/بكركي /تونس/تيبار/ودجبّة ،فيما رُزقا الخضروحليمة بسبعة أنباء وبنات هم على التوالي؛”الحسين/ حيدر/ زينب/عمّار/ رُقيّة/عبّاس/وأخيراً،أصغر الذريّة كاظم”.

غوته حاضراً
قبل أن عيد ترتيب و توظيب ما سار على نهجه د.خالد شوكات،في مجترح التنويه الذي غمر به روايته حين أعلن عن أخذه جميع المقاطع الشعرية الواردة في مقدمة كل فصل من كتاب الشاعر والفيلسوف الالماني غوته”الديوان الشرقي للمؤلف الغربي”ترجمة د.عبدالرحمن بدوي،والتي كانت كريستين معجبة به،ايما إعجاب بهذا الشاعر من قبل إسلامها،كماعرفت مدى إعجاب بالشخصيّة المحمديّة،وشاء أن أستوحى غوته-في سنوات عمره الاخيرة- هذه القصائد من الشاعر الصوفي الفارسي حافظ الشيرازي.
ما يهم ونحن نتقصّى ونتفحّص خيوط تلك الحكاية الممزوجة بخلود أثرالأرواح كالتي فاضت بها خوالج جلال الدين الرومي- كما أسلفنا- في مستهل مقالنا هذا،وعن نواحي غيبيّة وأخرى صوفيّة وإلى ما إلى من ذلك فيما يُعرف بعلوم الباطن،التي يراد منها تلك العلوم التي يسمّيها الغربيون (Sciences occultes) أي العلوم التي تُعنّى بالجوانب الخفيّة من الإنسان والطبيعة وعموم الكون،كونها تجتمع في تبيان وجود عوالم باطنية متعدّدة،تقع-بحسب إعتقاداتهم وفهمهم – في ذات الحيّز المكاني لعالمنا الظاهريّ،فضلاً عما يخرج وينتج عن هذا الحيّزو يبعد عنه بمسافات غير معلومة،ربما كما حصل في قصّة كريستين ومحمّد الخضر،وكيف أتلقيا وهما بعمر-تقريبي- واحد “هي” في بافاريا الالمانيّة،وهو في تيهارات” (تيارت) الجزائرية،وفي النهاية وبعد مرض الخضر بعلامته الفارقة والمعروف بالرجل المشقوق الحاجب وصاحب الحمار والرداء الأبيض،أثر تلك الضربة التي تلقاها من أبن عمه البليد والمشاكس” يزيد “الذي يضمر للخضر بسوء وغيرة بعد أن أعمته الاحقاد،وهو بعمر 17 عاما،وتسببّ بحادثة الشق في حاجبه،وفي الطرف الاخر كانت كريستين تنصت للأب جوزيبي جيداً وهو يشرح لها تأريخ الكنائس الشرقيّة في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق وأنطاكية،شردت فجأة وشاهدت ذلك الشخص الأسمر الربعي مفروق الحاجب قد مرّ ببرنسه الأبيض من خلف الأب جوزيبي،هكذا تهيّا لها،ص59 الرواية،وصار حلمها و شاغلها الشاغل،حتى ألتقته في بلدة يقال لها “بوجبّة”،حيث توجد مدرسة للراهبات تقع على الساحل الشمالي للجزيرة الرئيسية بعد أن مضت ايام وتركب السفينة المتجهة الى تونس وتشعر،ولما وصلت الدير في “تيبار”..أول دير مسيحي في ارض المسلمين تراه وتعيش فيه، سمعت جلبه وحين تسألت ص159 قالوا أهالي دجبّة جلبوا مريضا اركبوه حمارا،وقالوا ان حرارته ارتفعت بشكل فجئي و ان الحمى كادت تقتله،تعرّفت اليه بعد صرخة معلومة و اخرى مكتومة …الرجل مشقوق الحاجب وهذا رداؤه مسجى أمامها بين موت وحياة قالت؛ جئتك من أقصى الشمال،سقطت في حجرك يا حبيبي،ولن اسمح للحمّى بأن تأخذك من أبداً،وحين استفاق من غيبوبته بعد يومين،فتح عينيه ليجدها تنظر اليه،وحين تأكد انه في يقظة وأن نجمته سقطت في حجره اخيراً”ص160.. حليمة ،قال ها هو ذا قد أطلق عليها أسما محمّدياً،قالت اسم جميل رغم صعوبة حرف الحاء عليها وتزوجا،وحصل ما حصل في أنساق وثنايا عمل تآخت فيه الاخيلة و تلاقي الارواح وتساميات الاديان،والروافد الصوفيّة ،فضلاً عن إندهاشات الرصد والتركيز على أثر وأهمية الأمكنة التي أحتضنت الأحداث بفهم وعي وجدل العلاقات الإنسانيّة والتأريخية التي أثرت بالكثير-وربما المثير- على سير ما شاء خالد شوكات الخوض فيه بعرفانية صادقة ولغة طيّعة ، واثقة من ملكات تبنيها لجملة رؤى وتنوّع أفكار،يكفي-مثلاً- أن نعرف بأن الطب أقرب مهنة للرّب، وأن قماش الأديان واحد،لكن البدلات فُصلّت متعددة.
ح.ع.الحميد
كانون الثاني /2025
Hasanhameed2000@yahoo.com




+ There are no comments
Add yours