تَبَتَّلات التجربة الأثرى والأصعب شعراً في مجموعة “قناديل تُضيء خرائط العتمة”

“الشعر أكثر حظّاً من الفلسفة،وأسمى مكانةً من التأريخ”

                                                                                          -أبن رُشد –

” لأن الشِّعر  تحليقٌ صامتٌ إلى المجرد

   هاهي الآلهة تنظر إليها بدهشةٍ

  لنوقظ الأرواح الراقدة في اللُغّة

  ونُخلقَ من رعشات الأزهار البريّة في غابات الخيال

 حُسْناً أكمل من حوّاء”

ربما تختزل هذه المقطوعة النثريّة التي أستهل بها الشاعر “يوسف كبّو” مِلاك مجموعته الشعريّة المنضوية بعنوان؛” قناديل تضيء خرائط العتمة” الصادرة منتصف هذا العام عن دار نشر أمل الجديدة/دمشق ،والمضاء غلافها الأول- بقصد أختيار من الشاعر نفسه،على ما يبدو- بلوحة “ليلة النجوم” للرّسام الهولندي العالمي”فان كوخ”،الكثير من أثير سطوعات والتماعات وإنثيالات هذا الشاعر الدافىء،الحاني ،الصبور والمبتكر لنهج وهج تطلعات، بإختزالات  معرفيّة وثقافية وفنيّة،على حدٍ دقيق،مُنتقى وعميق ،عبرمسارب توريداته  لمنظومة فكريّة، نسقيّة- فلسفيّة-إنتقائيّة،أفلح في أستعرض نوادر ما فيها من نواظم فكرٍ يقظّ ،مثقف،مُحترس ومتأنٍ في فهم عوالم شخصياته الراسخة والمعروفة في ذواكر وعينا الجمعي،وربما لعموم الوعي الجمعي لحاضر البشرية،لما لتلك الشخصيات من فواعل قوة ومناسيب عمق أثر وأقيام أوزان منجزات،جعلت منهم رموزاً وعلامات مضيئة،مشاهير خالدون في خزائن متحف الذكرة،حتى أضحوا بمثابة أسفارأساطير أرضيّة، تتبع خطاها “كبّو” بلومس وأنساق دقيقة،محسوبة بالغة الأثروساميّة الفعل ،وفق ما حفلت به معادلات وجودهم على كيان الواقع،وكيف تجلّت سِيّرهم وبعض جوانب من حيواتهم عبر سعة إطلاع و إجراءات حفظ وتخزين،قام بها “يوسف”،تلك التي تسامت وتعمّقت بمكملات حسٍ نقيّ الروح،صوفي النزعة والتبّتل المبتكر،حاذق وخلّاق،تماهى بفضل مهارات وقدرات تفكير حُرٌّ وطليق في تعميد رؤاه، مشفوعاً بتقديرات حُنكة ثقةٍ معرفيّة-كونيّة غائرة الإنتماء،متعلّقة بأقل ما يمكن من الإختزال والتوريّة،عبرنواحي التكثيف الذي لا يمكن إحتوائة ولملمة تشظياته إلا في حومة مناخات الشّعر وجدليّة نبل إقتراناته ،وملكة قدراته على مطّ وتمديد أثر”الزمن” والتجاوز  وهميّة “المكان” بتمويعه أو تماهيهّ وفق ممكنات وإحتكامات المثول للشّعر كفن ومنحىً خالص ومتفرّد،بضمّ هذه الإمتدادات وتدجينها في حقوله الأفتراضية،ثمة حكمة صينيّة،أراها قد تناسب ما أصبو الوصول إليه في ترسيم حدود هذه المعادلة،تقول”؛ يستطيع الكاتب أن يأسر السماء والأرض داخل قفص الشكل”.

الدهشة واللا مدى

هل كان يوسف كبّو،يكابد مجسّات هذه المعادلة في سعيه لإقامة نوع من التفرّد لمجمل نصوص مجموعته؟!وهل نجح في كبح جماح أفاقه وسَفر تطلعاته،بغية الوصول صوب غاياته؟!!،ما من أجابة،شافية،كافية،دون الاطلاع والتفرّس بمجمل نصوص هذه المجموعة،بكامل مِلاكها البالغ (89) نصّا،تناول تحفيز وتلخيص(89) شخصيّة خالدة بأثر شعري تتقاسمة لذّة الشفوع للنثر الخالص،بإنفتاحاته المُحلقة وأجوائه الرحبة والمطلقة إلى حيث الدهشة واللا المدى،إلا بحدود الإحتفاء بأدق تفاصيل ما يتجلّى به الجمال الحقيقي و المطلق.

نصوص نثريّة غنيّة بثراء أفكارها وطبيعة تميّزها وسوانح نسج رؤاها،كنتُ قد أخذتُ عنها تصوّراً إيجابيا -إعجابيّاً لما حفلت به من نصوص مكتنزة،مكتفية بأسماء أبطالها وثقة موضوعاتها بالفريد والملفتت من الشخصيات التي تقاطرات بعدها عناوين النصوص على هيئة أسماء-كما ذكرنا بدءً من سقراط المبتدأ مروراً بكانط  والمسيح وديستويفسكي وبعده نوح ثم سَيف ويليه شارلي شابلن/ كلكامش/ وأدم وحواء /لوط /المتنبي وليلى العامرية /سارتر وكامو/ فيروز/مظفر النواب ومارلين مونرو وغيرهم من معارف العباقرة ولمعان القامات/وصولا ًإلى اخر القائمة هي لاعبة الجمباز الايقاعي الروسية يفغينيا كانيفا،وغيرهم.

في نصًّ أحتمى بأسم “هابيل”،نصّ قصير يتهادى القول فيه؛

” ها هو الهواء يصرخ في رئة الأرض//بكل لغات العالم//قم يا هابيل وإسمع صوت أخيك//وقل الحقيقة ،لتكون// بداية أخرى بين البشر”المجموعة ص68.

وفي زهاء نص آخر،كان قد أستضاء بأسم “المسيح”،نستلُ منه هذا المقطع الفخم؛”لم يقل لنا أحدٌ عن المسيح//وهويرتقي منصّة ذلك الليل المشعشع//ما تخفيه عيناه،//كي نعرف أي بعدٍ تجريدي//

كانت تخفيه أحزانُهُ !!”المجموعة ص10

النهج والمعنى

يشي الإطلاع -بفحص عدسة مُجرّب وسعة تأمل حصيف -على نصوص هذا العمل الإبداعي بنهجه ومنحاه التداولي، وخصائص معناه،محاولة ملامسة الخط العام الذي سارت علىيه خطى المجموعة،لتكن-بإعتقادي- ربما الوحيدة والفريدة من نوعها من حيث نهجها تبّني وتقصي مختزلات من عوالم وأفكار من نتاجات  لشخصيات مؤثرة،معروفة على صعيد الذائقة الجمعية  والحافلة في شتى حقول الفلسفة ومناهل الإبداع النوعيّ والمختلف تناول ثناياها الشاعر بأتساق ودقة وعي وحصافة إنتقاء وتقريظ ينم عن دراية فهم اطلاع وتركيز ما حملت تلك القامات في مشتغلات الفلسفة/ الفكر/الدين/الحياة/الفن وغيرها من فلتات الزمن،وعلى مرّ العصور وتباعد الأزمنة، لنطلع على نص” أدم وحواء”عبر بهاء -إنتقاء هذا المقطع؛” كانت حوّاء تتأملً//عبر أصابعها الرشيقة،التفاحة الشهيّة بعنايةٍ//وكان آدم،برفقة الأثر//الذي لا تخطئُهُ العين حيث//يستحيل غموضاُها إلى لذةٍ//يرى في مذاقها نعومة العالم”المجموعة ص24،في وقت يتلامع أسم  فيه “المتنبي”من خلال براعة الحث وسمة التكثيف لسيرة هذا الشاعر الذي نال تسمية “مالئ الدنيا وشاغل  الناس”، من ومض بلاغة النص الوارد على ص27 من نلتمعه يبوح على لسان الشاعر ؛”وأنا أبحرُ في الحلم،أقتفي أشلاء روحي// أبصرتُك آتيا على سرج سابحٍ// من نهاياتٍ تنأى،مكتظّاً بصمتٍ//واقفاً على حافة هاوية//تلّملمُ الأطراف،تكسرُ الحدودَ//والغيم يرتحلُ”.

على ضفاف خاتمة

قبل الوصول والحفول بختام تقييم قد يليق بجدارة الجهد والجرأة التي خاض فيها “يوسف كبّو”غمار هذه التجربة البارعة والمشهودة له في حيّز منح الشِّعر قدرة وثقة تبنيه لمثل هذه المغامرة المتأنيّة،المحسوبة والمنسوبة لشاعر حقيقي -مثقف.

يروق -بعد ما تجلّى وورد- لي إقتطاف هذه المقطع من نص جاء بعنوان” يوريدوس”من حيث يُعدّ الأطول عن بقية نصوص وفصوص في هذه المجموعة،والباذخ بالقول؛”بعد أن خُلقت من نشوة الموسيقى الباذخة//نُحتت برهافةٍ و عُمق//سُخّرت الكواكب والأرض لحراستها//وراحت ملائكةً لفرط ما بهرتُها أشعِّتُها//تهتف(يا ترى من تكون هذه)؟” لمجموعة ص77،فيما تلاه نص”المسيح”من ناحية عدد الكلمات،الواردة وردت على منوال كامل ما حوى وأنضوى هذا العمل الكبير،البالغ عدده “136” صفحة من القطع المتوسط، تناولت كما أشرنا”89″نصّا نثريّاً ل”89″ أسماً ونوعاً،سيرةً وصيتاً،عمقاً وأثراًمن تلاوين وعي خلجات وتنويعات مبتكرات وتويريدات،كان قد نَهل الشاعر منها، وأشتق خصائصها وجسّ سماتها،من خلال ما أنتقى وأراد وأخلص لنبل مشروعه المهم هذا.

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours