البروفيسور احمد خميس خليل الجنابي
أستاذ الإعلام التطبيقي في كليات التقنية العليا/ أبو ظبي
في مايو 2023، أثار جيفري هينتون، الذي يُلقب بـ”الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”، دهشة الأوساط العلمية والصناعية باستقالته من منصبه في جوجل. وقد اختار هينتون، الذي كان أحد أبرز المهندسين في تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أن يتفرغ للتحذير من المخاطر المحتملة لتلك التقنيات التي ساهم في ابتكارها. هذا التحول المفاجئ في موقفه كان بمثابة جرس إنذار لجميع دول العالم، خاصة في الدول العربية، حول المخاطر المستقبلية للذكاء الاصطناعي. فقد أعرب هينتون عن قلقه الشديد من أن هذه الأنظمة قد تصبح أكثر ذكاءً من البشر في المستقبل القريب، وأنها قد تتخذ قرارات غير إنسانية تؤثر سلبًا على المجتمعات.
الذكاء الاصطناعي: تقنيات ثورية تتطلب الحذر
الذكاء الاصطناعي هو مجال من علوم الحوسبة يهدف إلى خلق أنظمة قادرة على محاكاة القدرات العقلية للبشر، مثل التفكير، والتعلم، واتخاذ القرارات. هذه التقنيات الحديثة بدأت تؤثر بشكل متزايد في كافة مجالات الحياة اليومية، من الرعاية الصحية إلى النقل، والأمن، والتعليم. كما شهدنا استخدامات متعددة لهذه التقنيات في مجالات متنوعة مثل السيارات ذاتية القيادة، والطائرات بدون طيار، وتقنيات التعرف على الوجوه، وهو ما يفتح أمامنا فرصًا واعدة، لكن في الوقت نفسه يثير العديد من المخاوف.
تتسم هذه الأنظمة بقدرتها على التعلم وتحليل البيانات بشكل متقدم، وهو ما يجعلها قادرة على أداء مهام معقدة وتحقيق نتائج غير مسبوقة. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا محوريًا في تحسين الصناعات المختلفة مثل التسويق الرقمي، من خلال التنبؤ بسلوكيات المستهلكين، أو في الأمن، مثل التعرف على المجرمين من خلال كاميرات المراقبة (WENG, SUGAHARA, HASHIMOTO, & TAKANISHI, 2015)
أنواع الذكاء الاصطناعي: التخصص، العام، والفائق
من الممكن تصنيف الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أنواع رئيسية، تتفاوت في مستويات التطور والقدرة
الذكاء الاصطناعي المتخصص: وهو النوع الذي يقوم بمهام محددة وواضحة، مثل أنظمة القيادة الذاتية أو برامج التعرف على الصور والصوت. وهذا النوع هو الأكثر شيوعًا في وقتنا الحالي
الذكاء الاصطناعي العام: الذي يهدف إلى محاكاة القدرة البشرية على التفكير والتخطيط بشكل مستقل. وهو نوع أكثر تطورًا من الذكاء الاصطناعي المتخصص، لكنه ما زال في مراحل البحث والتطوير
الذكاء الاصطناعي الفائق: وهو النوع الذي يتجاوز قدرة الإنسان على التفكير، وقد يؤدي إلى أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات أفضل وأكثر دقة مما يستطيع البشر القيام به. وهذا النوع من الذكاء هو ما يثير أكبر القلق بسبب مخاطره المحتملة(Manheim, 2019)
المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي
على الرغم من الفوائد الكبيرة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، فإن هناك العديد من المخاطر التي تهدد الأفراد والمجتمعات إذا لم يتم التعامل معها بحذر
المخاطر الأمنية: مثل استخدام القراصنة للذكاء الاصطناعي في اختراق الأنظمة الإلكترونية والتلاعب بالبيانات
المخاطر الأخلاقية: تتعلق بتوظيف هذه التقنيات في اتخاذ قرارات قد تكون مجحفة أو غير إنسانية، مثل اتخاذ قرارات قانونية أو مالية دون مراعاة للمبادئ الأخلاقية
التلاعب الإعلامي: القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي في تزييف الصور والفيديوهات، مما قد يؤدي إلى نشر معلومات مضللة
استبدال البشر: قد يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي إلى استبدال البشر في بعض الوظائف، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي (Balan, 2019)
تحذيرات هينتون: لماذا قرر الاستقالة؟
أعرب جيفري هينتون عن قلقه العميق حيال مستقبل الذكاء الاصطناعي بعد استقالته من جوجل. في تصريحاته، قال هينتون إن هناك خطرًا جديًا من أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل أكثر ذكاءً من البشر، وربما تمتلك “دوافع سيئة” قد تهدد المجتمع بأسره. وقد دعا هينتون الحكومات وقادة الصناعة إلى ضرورة التفكير في كيفية تنظيم هذا المجال قبل فوات الأوان. وكانت هذه الاستقالة بمثابة إشارة إلى ضرورة إعادة التفكير في ممارسات تطوير هذه التقنيات وضوابطها(Manheim, 2019)
الاستجابة العالمية والمحلية: كيف تتعامل الدول مع الذكاء الاصطناعي؟
في ظل المخاطر المتزايدة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، بدأت بعض الدول في اتخاذ خطوات ملموسة لضمان استخدامه بشكل آمن. في الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تم إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي في عام 2017، وأطلقت الدولة استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي بهدف تطوير هذه التقنيات بشكل مسؤول. كما أن الإمارات تضع التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها، حيث تم تضمين هذه المواضيع في المناهج الدراسية لمواكبة التطورات المستقبلية(Khalifa, 2018)
وفي مصر، تم إنشاء المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي عام 2019، ويشرف على تطوير استراتيجية وطنية في هذا المجال. كما أن العديد من الجامعات المصرية قد أنشأت كليات ومعاهد متخصصة في الذكاء الاصطناعي لتأهيل الجيل المقبل من الخبراء في هذا المجال (Mohamed, 2023)
التعاون العربي في مواجهة التحديات المستقبلية
تتطلب التحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي تعاونًا أكبر بين الدول العربية لمواجهة المخاطر المستقبلية لهذه التقنيات. يجب أن يتم تعزيز البحث العلمي والتطوير في هذا المجال من خلال إنشاء مراكز بحثية مشتركة بين الدول العربية، وكذلك من خلال تشكيل فرق من العلماء والخبراء لضمان أن تكون هذه التقنيات متوافقة مع قيم وثقافات المجتمع العربي
إن الضرورة القصوى تكمن في وضع قوانين ولوائح تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي في العالم العربي، وتنظيم كيفية تطبيق هذه التقنيات بما يضمن حماية الأمن الفكري والمجتمعي(Balan, 2019)
الخاتمة: هل ستكون الحكومات العربية قادرة على مواجهة التحديات؟
إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية حديثة، بل هو جزء من واقعنا الذي لا مفر منه. وفي ظل التحديات التي تطرأ نتيجة لاستخدامه المتزايد، فإن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات العربية في اتخاذ خطوات حاسمة لتنظيم هذا المجال. يجب أن تكون هذه الخطوات مدروسة بعناية، حيث أن تطور هذه التقنيات بشكل غير منضبط قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، قد تضر بالمجتمع الإنساني بشكل عام
إن تحذيرات هينتون ونبؤاته حول مستقبل الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون دافعًا للمسؤولين في العالم العربي لتسريع الجهود في مجال البحث والتنظيم قبل فوات الأوان
المراجع:
Manheim, Karl. Artificial Intelligence: Risks to Privacy and Democracy (2019), p.113. Available at: https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=3273016.




+ There are no comments
Add yours