نمتار / علاء المفرجي
حين يسأل مقدم برامج حوارية وزيرة الثقافة: لماذا تحولت وزارة الثقافة إلى “وزارة استهلاكية” أكثر من كونها وزارة منتجة؟ فإن السؤال، في الحقيقة، يتجاوز شخص الوزيرة أو أداء وزارة بعينها، ليمس واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الثقافة العراقية: ما الذي نريده من وزارة الثقافة؟ وما هي مهمتها في بلد يمتلك تاريخاً ثقافياً وفنياً هائلاً، لكنه يعاني منذ عقود من ضعف البنى المنتجة للثقافة والفنون؟
الإجابة التي قدمتها الوزيرة تفتح نقاشاً يستحق أن يكون أوسع بكثير من حدود المقابلة. فهي ترى أن المثقفين “تعودوا على نهج خاطئ”، وأن من حقهم الحصول على المنح والدعم والضمانات، لكنها في الوقت نفسه تتساءل: لماذا لا تتولى الشركات المنتجة إنتاج الأفلام والمشاريع الفنية وتسويقها والإنفاق عليها؟ وتضرب مثالاً بالمهرجان المسرحي، مشيرة إلى أن تكلفته في العام الماضي وصلت إلى مليار دينار، بينما كان يمكن إنجازه، بحسب تقديرها، بمئتي مليون فقط، وتقترح الاستعانة بشركة متخصصة لإدارته.
هذه الأفكار تستحق التوقف، لا بهدف مهاجمة الوزيرة، وإنما لأن وراءها تصوراً كاملاً عن علاقة الدولة بالثقافة.
المشكلة الأولى تكمن في الخلط بين الإنتاج الثقافي والإدارة الاقتصادية للإنتاج الثقافي. صحيح أن الشركات المتخصصة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تنظيم المهرجانات وإدارتها، وصحيح أيضاً أن ترشيد الإنفاق ومراجعة الكلف أمر مطلوب، لكن هل يعني ذلك أن تتخلى وزارة الثقافة عن دورها الإنتاجي لمصلحة الشركات؟ وهل المهرجان الثقافي مجرد فعالية يمكن قياس نجاحها بالفارق بين مليار ومئتي مليون دينار؟
المهرجان المسرحي، مثل الفيلم والمسرحية والكتاب والمعرض التشكيلي، ليس مشروعاً تجارياً بالمعنى المباشر. إنه جزء من منظومة ثقافية أوسع، قد لا تحقق أرباحاً مالية، لكنها تنتج معرفة وذاكرة وهوية وتراكماً فنياً. وإذا كان معيار النجاح هو مقدار ما يدخل إلى خزينة الجهة المنظمة، فإن كثيراً من أهم المنجزات الثقافية في العالم ستبدو، وفق هذا المنطق، مشاريع خاسرة.
لكن هذا لا يعني الدفاع عن الهدر المالي أو سوء الإدارة. على العكس تماماً. من حق الجمهور والمثقفين أن يسألوا: أين تذهب الأموال؟ ولماذا ترتفع تكاليف بعض النشاطات؟ ومن المسؤول عن التعاقدات؟ وهل توجد آليات شفافة للمراقبة والتدقيق؟ وهل يمكن فعلاً إقامة المهرجان بالكلفة التي ذكرتها الوزيرة؟ هذه أسئلة مشروعة، وربما تكون أكثر أهمية من الدخول في سجال حول الأشخاص. أما القول إن الفيلم الذي لا ينجح أو لا يسوقه ينبغي ألا تتحمل الدولة مسؤوليته، فيحتاج هو الآخر إلى نقاش. فالسينما في كل أنحاء العالم ليست صناعة تجارية خالصة. حتى أكثر السينمات تطوراً تعتمد، بدرجات مختلفة، على صناديق الدعم والمنح الحكومية والمؤسسات الثقافية العامة. والسبب بسيط: هناك أفلام لا يمكن أن ترى النور إذا خضعت منذ لحظة ولادتها إلى حسابات السوق وحدها. كم من فيلم عظيم لم يكن مشروعاً تجارياً مضموناً؟ وكم من مخرج أو كاتب أو فنان كان سيظل مجهولاً لو أن المؤسسات الثقافية قالت له: أثبت أولاً أنك قادر على تحقيق الأرباح ثم سنمولك؟
هنا تحديداً تظهر مسؤولية وزارة الثقافة. الدولة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن القطاع الخاص، لكنها أيضاً لا تستطيع أن تتعامل مع الثقافة كما تتعامل مع أي مشروع استثماري. وظيفة الوزارة الأساسية هي خلق البيئة التي تسمح للثقافة بأن تنتج وتستمر. عليها أن تدعم السينمائي الذي لا يجد شركة تنتج فيلمه، والمسرحي الذي لا يملك رأس المال لإنتاج عرضه، والكاتب الذي لا يجد ناشراً، والفنان الذي لا يستطيع تحويل مشروعه الإبداعي إلى سلعة تجارية.
الشركات يمكنها أن تدخل حين يكون المشروع قابلاً للاستثمار، لكن ماذا عن المشاريع التي لا تحقق ربحاً سريعاً، بينما تحقق قيمة ثقافية كبيرة؟ ثم إن تحميل المثقفين مسؤولية “نهج خاطئ” يحتاج إلى شيء من التدقيق. هل اعتاد المثقفون فعلاً على الاعتماد على الدولة لأنهم لا يريدون الإنتاج؟ أم أن الدولة العراقية نفسها هي التي أضعفت، عبر عقود طويلة، البنية المستقلة للإنتاج الثقافي، بحيث أصبح الفنان مضطراً إلى البحث عن المؤسسة الحكومية بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على تمويل مشروعه؟
إنها علاقة معقدة لا يمكن اختزالها بجملة واحدة. لقد كان العراق، في مراحل مختلفة، يمتلك مؤسسات إنتاج سينمائي ومسرحي وفني، ويمتلك جمهوراً واسعاً، وكان الفن جزءاً من الحياة العامة. لكن سنوات الحروب والعقوبات والانهيار الاقتصادي ثم الفوضى السياسية بعد 2003، تركت الثقافة العراقية أمام واقع مختلف تماماً. لم تعد هناك صناعة سينمائية حقيقية، ولا سوق ثقافية قادرة على تمويل الإنتاج، ولا شبكة شركات إنتاج يمكنها أن تتولى وحدها المخاطر التي يتطلبها الفيلم أو المسرحية أو المشروع الفني.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنتج الوزارة أم الشركات؟
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نبني منظومة ثقافية يستطيع فيها الطرفان أن ينتجا معاً؟
يمكن للوزارة أن تمول جزئياً، ويمكن للقطاع الخاص أن يستثمر، ويمكن للصناديق الثقافية أن تدعم المشاريع الجادة، ويمكن أن تكون هناك لجان مستقلة لاختيار المشاريع، ونظم شفافة لتوزيع المنح، وآليات حقيقية لقياس النتائج. أما أن نضع الثقافة كلها أمام خيار السوق أو الدعم الحكومي، فنحن نختصر القضية اختصاراً شديداً.
ومن هنا تبدو عبارة “وزارة استهلاكية” بحاجة إلى تعريف أيضاً. الوزارة تكون استهلاكية فعلاً عندما تنفق المال من دون أن تنتج أثراً ثقافياً مستداماً، وعندما تتحول المهرجانات إلى مناسبات عابرة تنتهي بانتهاء حفلاتها، وعندما لا تترك المشاريع الثقافية وراءها مؤسسات أو أفلاماً أو كتباً أو مسارح أو أرشيفاً أو جمهوراً جديداً.
أما الإنتاج فلا يعني بالضرورة أن الوزارة هي التي تمسك بالكاميرا أو تكتب السيناريو أو تقف على خشبة المسرح. الإنتاج الحقيقي يمكن أن يكون في صناعة البيئة الثقافية التي تجعل الآخرين قادرين على الإنتاج.
وهنا تقع مسؤولية الوزارة الكبرى.
نحن لا نحتاج وزارة ثقافة تصرف الأموال بلا حساب، كما لا نحتاج وزارة ثقافة تتخلى عن دورها بحجة أن السوق قادر على القيام بكل شيء. نحتاج وزارة تعرف أين تنفق، ولماذا تنفق، ومن يستحق الدعم، وما الذي يبقى من المال الذي أنفقته بعد انتهاء المهرجان أو الاحتفالية.
أما الحديث عن مليار دينار مقابل مئتي مليون، فيجب ألا يتحول إلى مجرد رقم مثير في مقابلة تلفزيونية. الرقم يحتاج إلى وثائق وتفاصيل: ماذا أنفق المليار؟ وكيف أمكن الوصول إلى مئتي مليون؟ ومن الشركات المقترحة؟ وما معايير اختيارها؟ وما الضمانات التي تمنع تحول “إدارة المهرجانات” إلى باب جديد للإنفاق غير المنضبط؟
الثقافة تحتاج إلى المال، نعم، لكنها تحتاج قبل المال إلى رؤية. والأخطر من أن تكون وزارة الثقافة “استهلاكية” هو أن تتحول الثقافة نفسها إلى مجرد حسابات استهلاكية: كم صرفنا؟ وكم وفرنا؟ وكم بعنا؟ فهناك أشياء كثيرة لا يمكن وضع قيمتها في دفتر الحسابات. الفيلم الذي لا يشاهده سوى عدد قليل اليوم قد يصبح بعد عشرين عاماً وثيقة عن العراق. والمسرحية التي لا تحقق إيراداً قد تفتح الطريق أمام فنان كبير. والكتاب الذي لا يبيع كثيراً قد يغير حياة قارئ واحد، وربما جيلاً كاملاً.
لهذا، فإن المطلوب ليس إلغاء منطق السوق، وإنما وضع السوق في مكانه الصحيح. الثقافة ليست ضد الاقتصاد، لكنها ليست اقتصاداً فقط. ووزارة الثقافة ليست شركة إنتاج، لكنها ليست أيضاً صندوقاً للصرف. مهمتها الأصعب أن تعرف كيف تحوّل المال العام إلى قيمة ثقافية باقية.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لأي وزارة ثقافة: ليس كم أنفقت، ولا كم وفرت، وإنما ماذا تركت؟

+ There are no comments
Add yours