نمتار / أكرم توفيق


في هذه القصيدة يكتب حسن عبد الحميد الندم لا بوصفه إحساسا عابرا بل باعتباره مكانا داخليا يسكنه الإنسان حين يغيب عنه الاستثناء الوحيد الذي كان يمنح الأشياء معناها. ومن هنا تأتي العتبة اللافتة (باستثناءك.. الندم) فكل ما عدا المخاطَب يتحول إلى سؤال وإلى أثر وإلى لوم بينما يبقى هو وحده خارج دائرة الندم.
تبدأ القصيدة بعبارة شديدة التكثيف:
(ما عداك..
كلُّ شيءٍ.. هناك
يسألك: أين؟!)
وهنا تتشكل المفارقة الأولى فـ (هناك) ليست مكانا جغرافيا بقدر ما هي فضاء للغياب. كل الأشياء موجودة لكنها فاقدة للمعنى ولذلك تسأل الغائب عن مكانه. وكأن الشاعر يجعل من الأشياء المحيطة به كائنات واعية بغيابه.
ثم يقول:
(تذوب الأماني
تتوه في زحمة
اللوم.. آثار خطاك)
والجميل هنا أن الشاعر لا يقول إن الخطى اختفت بل يجعلها آثارا أي إن الحضور لم يعد ممكنا إلا من خلال ما تركه صاحبه وراءه. وتصبح الأماني نفسها ضائعة وسط (زحمة اللوم) في إشارة إلى أن الذاكرة لا تستعيد الماضي بريئا وإنما تستعيده محمّلا بالأسئلة والمراجعات و(لو) التي لا تُقال صراحة لكنها تسكن النص كله.
أما السؤال:
(أثَمّةَ ممشى
يدلُّ عليك
يواسيك — ولو–
إذا خانك ظلُّك)
فهو من أجمل مقاطع القصيدة لأن الممشى هنا يتجاوز دلالته المادية ليصبح طريقا إلى الذات أو إلى شخص غائب أو ربما إلى ماض لم يعد قابلا للاستعادة. وحتى الظل الذي يفترض أن يكون أكثر الأشياء التصاقا بالإنسان يمكن أن يخونه
إنها صورة عميقة لعزلة الإنسان حين لا يجد حتى صورته الداخلية قادرة على مواساته.ويزداد هذا الإحساس حين يقول:
(أو تململ حائرا
ذاتَ.. السؤال؟)!
فالسؤال لم يعد يبحث عن إجابة إنه نفسه أصبح حالة وجودية متململة. وهذا ما يمنح القصيدة بعدا فلسفيا واضحا .. هل نحن الذين نبحث عن الطريق أم أن الطريق هو الذي يبحث عن أثرنا؟ وفي:
(لتبدو أخفَّ
من نسمة حيف..
سيرةُ أيامنا
وأثقلَ من آهات ندم.)
تصل القصيدة إلى واحدة من أهم مفارقاتها الأيام خفيفة كنسمة حين ننظر إليها بوصفها زمنا مضى لكنها تصبح ثقيلة حين تحمل معها الندم. و(الحيف) هنا ليس مجرد ظلم خارجي يمكن قراءته بوصفه ما أصاب الإنسان من جور الحياة أو ما ألحقه هو بالآخرين وبنفسه.
ثم تأتي الخاتمة:
(لنا.. ولنا.. ما لنا
منها.. ما شُفَّ
وما خَفِيَ
وما ستنوء به
على مهلها..
وتذروه.. -على عجل ـ
رياحُ العدم.)
وهنا تتسع الدائرة من (أنا) و(أنت) إلى (لنا) فالقصيدة في نهايتها لا تعود تجربة فردية خالصة بل تصبح تأملا في المصير الإنساني كله.
ما عاشناه وما أخفيناه وما سيبقى منّا كل ذلك مرهون بزمن يمضي ببطء أحيانا لكنه حين يصل إلى نهايته يبدد الأشياء سريعا أمام (رياح العدم).
واللافت في هذه النهاية أن الشاعر يقابل بين (على مهلها) و (على عجل) الحياة أو الأيام تنوء بما نحمله ببطء لكن العدم لا يحتاج إلى كل هذا الوقت كي يبدد ما جمعناه. وهذه المفارقة تمنح الخاتمة قوة وجودية واضحة.
فنيا:
القصيدة تعتمد على التكثيف والقطع وعلامات الحذف والاستفهام بوصفها جزءا من الإيقاع النفسي لا مجرد علامات ترقيم. كما أن التقطيع:
ما عداك..))
(هناك)
(..إذاك)
ذاتَ.. السؤال؟!)
يجعل القارئ يتنفس مع ارتباك المتكلم ويشعر بالتردد والانقطاع والبحث عن عبارة لا تأتي كاملة.
كما أن حضور مفردات مثل الأماني ..اللوم ..الخطى .الظل ..السؤال.. الأيام.. الندم.. الخفي.. العدم يجعل المعجم الشعري يدور حول ثنائية أساسية الحضور والغياب.. الذاكرة والنسيان.. الأثر والمحو.
خلاصة القراءة:
هذه ليست قصيدة عن الندم وحده بل عن الأثر الذي يتركه الغياب في الأشياء والذاكرة. وهي قصيدة تتكئ على سؤال عاطفي لكنها تنتهي إلى سؤال وجودي ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تنحسر خطاه وتتعب ذاكرته ويصبح ما عاشه مجرد أثر في مهب (رياح العدم)؟
وأحسب أن أجمل ما فيها أنها لا تصرخ بالحزن بل تتركه يتسرب بهدوء بين الكلمات وهذا النوع من الحزن أكثر رسوخا وتأثيرا لأنه لا يطلب من القارئ أن يبكي وإنما يدفعه إلى أن يستعيد شيئاً من ندمه وغيابه وأسئلته الخاصة.
قصيدة مكثفة عميقة ذات حس فلسفي واضح وتحتاج إلى قارئ يتأمل الفراغات بقدر ما يقرأ الكلمات.

+ There are no comments
Add yours