نمتار / متابعة


كنتُ دائمًا ما أسألُ نفسي ما الأثر الذي يمكن أن يتركه الكتاب؟ وما الذي يريد الكاتب بلوغه؟ وفي ظّني أن القيمة الحقيقية لأي كتاب تكمن في الأسئلة التي يوقظها في العقل والضمير والوجدان؛ ولذلك كنت أرى أن النص لا يكتمل بكتابته، بل بقراءته، وذلك بالتفاعل بين الكاتب والقارئ، وبالحوار والجدل الذي يثيره، والأسئلة المتجدّدة والمتوالدة التي يطرحها، وأردّد دائمًا مع الصديق الشاعر أدونيس: هذا زمن تتقدّم فيه الأسئلة وينهزم الجواب، فالثقافة ليست مستودعًا للإجابات المسبقة والجاهزة، بل هي فضاء للأسئلة والجمال.


كتاب “هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية” يمثل العراق بفسيفسائه وموزائيكه وألوانه وتنوّع مبدعيه واتجاهاتهم وانتماءاتهم، إنه أُنطولوجيا الوجود وأنطولوجيا الاختيار، ففيه تعبيرات للعرب والكرد والمسلمين والمسيحيين والمدنيين والدينيين والرجال والنساء والأجيال المختلفة، ولعمري تلك الميزة العراقية يتجسّد فيها الواحدُ في الكل حتى يغدو مجموعًا، وذلك باستذكار الجواهري الكبير حين يقول:
أنا العراق لساني قلبه ودمي / فراته وكياني منه أشطار
والثقافة العراقية كانت وما تزال موحدّة، لكنها ليست واحدة أو أحادية، إنها مختلفة ومؤتلفة، متعارضة ومتجانسة تمثّل هارموني متنوّع ومتعدّد يُجسّد أحد مصادر قوّتها وطموحها إلى الحريّة والكرامة والعدالة.

والثقافة الحقيقية لا تأتي من اليقينيات المطلقة، بل تتربّى على الشك والتجريب وعلى النقد الخلّاق والاعتراف بالآخر والاختلاف بوصفه مصدرًا للثراء لا سببًا للانقسام.
من تجربتي أن الإنسان لا يُقاس بما امتلك من يقينيات، بل بقدرته على مراجعتها، فلا قيمة لتجربة إلّا بنقدها. وكتاب “هسهسات الضوء”، وإن تناول شخصيات يعود قسمها الأكبر إلى الماضي، إلّا أنني انشغلت بها في حوار مع الحاضر والمستقبل. والأمم التي تترنّح بين نسيان الماضي أو الاستغراق فيه تفقد بوصلتها وتخسر مستقبلها، فثمة طريق ثالثة هي النقد والذاكرة النقدية، تلك التي لا تقدّس التاريخ ولا تؤبلسه، وإنما تفهمه وتحاوره وتتعلّم منه دروسًا وعبرًا.
في هذا الكتاب كنت أبحث عن المعنى الذي صنعته هذه الأسماء التي طرّزته، أفتّش عن القيم الإنسانية من خلال قصيدة أو رواية أو كلمة أو لوحة أو فيلم أو مسرحية أو لحن موسيقي أو أغنية أو عمران، فقد أدركت بعد عقود من الزمن إن أخطر ما يُصيب المجتمعات ليس الاستبداد والطغيان وحدهما، بل فُقر المعنى وانحدار منظومة القيم، وتفكّك النسيج المجتمعي وعندها يُصبح كل ما يُقال مجرّد شعارات فارغة وضجيج عقيم. وحسب جلال الدين الرومي “أخفض صوتك، فالزهرُ يُنبته المطرُ لا الرعد”، وحين يغيب البرهان يرتفع الصوت.
ومهما كانت فُسح الحريّة شحيحة والكوابح صارمة والتحدّيات كبيرة، فالأفكار تنتشر، بل وتطير، نعم للأفكار أجنحة حسب القرطبي ابن رُشد المدافع عن العقل وحريّة التفكير وكرامة المعرفة، والذي عاد إلينا من أوروبا بعد ما يزيد عن 9 قرون من الزمن، وكانت كتبه ومؤلفاته قد تعرّضت للمصادرة والحرق في أواخر حياته في الأندلس قبل أن يرحل إلى مراكش، وحين رأى أحد تلاميذه يبكي حزنًا على ضياع هذا العلم، التفت إليه وقال: “لا تبكي يا بُني، فاعلم أنّ للأفكار أجنحة، وهي تطيرُ بها إلى أصحابها”..ذلك هو المعنى الذي نبحث عنه
بيروت
29 تموز / يوليو 2026
*أقيمت الاحتفالية بدار السفارة العراقية في بيروت بالتعاون مع دار النهار الذي أصدر الكتاب وبمشاركة اتحاد الكتّاب اللبنانيين
*هسهسات الضوء – في أنطولوجيا الثقافة العراقية، دار النهار، بيروت، 2026. وكان الكاتب قد أصدر كتابًا في العام 2023 بعنوان ” الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربية”

+ There are no comments
Add yours