حِرَاك عراقي واسع الأبعاد

نمتار / د. ناصر زيدان

في العراق حراكٌ غير مسبوق، داخلياً ومع الخارج، ولولا تداعيات الحرب المجنونة التي تحصل في المنطقة، لكان يمكن تسمية تموز/يوليو بشهر بلاد ما بين النهرين من دون تردُّد. فبعد انطلاق حملة التوقيفات والمداهمات التي استهدفت مكافحة الفساد ووقف الاختلاسات الهائلة للمال العام، والتي طالت شخصيات كان يصعُب التعرُّض لها سابقاً؛ جرت تسويات مهمة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، ومن ثُمَّ أعلن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي خطة لحلّ فصائل الحشد الشعبي، وحصر امتلاك السلاح بالقوى النظامية العراقية وفق برنامج ينتهي تنفيذه مطلع أكتوبر/تشرين الأول القادم.

اما على المستوى الخارجي؛ فقد استطاعت حكومة الزيدي تجاوز المحنة المالية التي أصابت البلاد من جراء الحصار على الصادرات النفطية بمناسبة اقفال مضيق هرمز لعدة شهور – وهو منفذ رئيسي للمبيعات العراقية الى الخارج – وهي فتحت خط نقل بري عبر سوريا، وفعَّلت خط الجر الى ميناء جيهان التركي، واتخذت إجراءات جدية لمنع أي تسريبات مالية نقدية من العراق الى الخارج، وفرضت عقوبات على شخصيات مقرَّبة من حزب الله اللبناني وحضَّرت أي تعامل معه، وهو ما أقنع الإدارة الأميركية بإعادة النظر بقرار منع توريد العملة الصعبة الى العراق.

ووسط هذا الحراك غير المسبوق لحكومة علي الزيدي الذي وُصِفَ بأنه رجل أعمال وليس له خبرة بالسياسة والأمن؛ قام رئيس الوزراء بزيارتين هامتين مترابطين. الأولى الى واشنطن في 14 تموز/يوليو والتقى فيها الرئيس دونالد ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين، والثانية الى طهران في 23 منه، والتقى خلالها الرئيس مسعود بزكشيان وكبار المسؤولين الإيرانيين. وجهِدَ فيهما الى إقناع الإدارتين اللدودتين بأن ما يقوم به في العراق لا يستهدف مصالح كلا الدولتين، محاولاً الحفاظ على علاقات متوازنة بين بغداد من جهة وواشنطن وطهران من جهة ثانية، برُغم الاستحالة الواقعية للإستمرار في المقاربة القديمة التي كانت مُعتمدة منذ العام 2003، لأن ما بعد 28 شباط/فبراير 2026 لن يكون كما قبله.

اللقاء بين الزيدي وترامب في البيت الأبيض كان مُريحاً، وفق ما تمَّ تسريبه من المصادر وفي وسائل الاعلام، وترامب قال: أنه مستعد لتقديم المساعدة العسكرية للعراق إذا احتاج لذلك، كما أشار الى شراكة نفطية واستثمارية واعدة بين البلدين في المستقبل. بينما الزيدي أكد على رغبة بغداد بتطوير التعاون مع واشنطن في مختلف المجالات. وليس سراً أن الاميركيين كان لهم دور أساسي في وصول الزيدي الى رئاسة الحكومة، وهم فرضوا حضراً صارماً على المُرشح المنافس نور المالكي المُقرِّب على شاكلة مُتميِّزة من طهران.

وبالفعل فإن مؤشرات التعاون الأميركي – العراقي بدأت تظهر من خلال الاتفاقيات التي وُقِّعت بين الشركات الأميركية ووزارة الطاقة العراقية، وقد قدر الوزير باسم محمد قيمة هذه العقود بما يتجاوز 200 مليار دولار، وهي تشمُل التنقيب في حقول النفط والغاز، وتأهيل انابيب نقل المنتجات العراقية عبر الأراضي السورية والتركية، وربما اللبنانية لاحقاً بعد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الى بغداد في ٢٦ تموز.

أما زيارة الزيدي الرسمية الى طهران – علماً أنه زارها من قبل بواجب اجتماعي للمشاركة في تشييع المُرشد الأعلى علي خامنئي – فقد حصدت اهتماماً واسعاً، كونها تناول موضوعات مُتعددة، وأهمها طلب المساعدة الإيرانية في ملف جمع سلاح الميليشيات، وبعض هذه المجموعات المُقرَّبة من الحرس الثوري يمتنع عن التجاوب مع خطة الحكومة العراقية السلمية. ولم تتسرَّب أي معلومات جدية حول الموقف الإيراني الفعلي من هذا الملف، لكن عملية توقيع 4 اتفاقيات بين البلدين تشمل انشاء خط سكك حديد من ايران الى بغداد لملاقاة الممر الاستراتيجي الذي ينطلق من الخليج الى أوروبا عبر تركيا؛ يؤشر الى رغبة بالتعاون في المستقبل، بما لا يتعارض مع خطط الحكومة العراقية.

للعراق دوراً أساسياً في تحقيق استقرار أمني وسياسي ونفطي في المستقبل، خصوصاً إذا ما تمكن بالفعل من ضبط نفاذ السلاح من أراضيه الى سوريا ولبنان خصوصاً، وإذا ما تمكنت الحكومة من ضبط انفلاش العمل الميليشياوي، وكذلك إذا ما نجحت بغداد في تغطية النقص  الحاصل في أسواق النفط عن طريق زيادة انتاجها من هذه المادة.

بيروت / تموز

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours