حرمان الصحف العراقية من الإعلانات .. اغتيال للذاكرة الوطنية

نمتار / أكرم توفيق

ليست الإعلانات التجارية أو الحكومية مجرد مورد مالي للصحف  بل هي شريان الحياة الذي يمكّنها من الاستمرار في أداء رسالتها المهنية والثقافية والوطنية .

وعندما يُتخذ قرار بحرمان الصحف العراقية من هذا المورد  فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود المؤسسات الصحفية أو العاملين فيها بل تمتد لتطال ذاكرة العراق نفسها،

فالصحيفة ليست ورقا يُقرأ في يوم ويُنسى في اليوم التالي وإنما هي سجل يومي يوثق حياة شعب بأكمله  تحفظ أحداثه  وتؤرخ لتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية  وتوثق أسماء رجاله ونسائه  وإنجازاتهم  وأفراحهم وأحزانهم. إنها الأرشيف الأول للتاريخ  والمصدر الذي يعود إليه الباحثون والمؤرخون لفهم مسيرة الأمم.

إن إضعاف الصحف أو دفعها إلى الإغلاق بسبب حرمانها من الإعلانات يعني خسارة منابر صنعت الرأي العام لعقود  وأسهمت في ترسيخ الهوية الوطنية  ورافقت العراقيين في أصعب المحطات  من الحروب إلى الحصار  ومن الاحتلال إلى الإرهاب  وظلت شاهدة على قدرة هذا الشعب على النهوض من بين الركام.

لا يمكن لأي وسيلة إعلامية حديثة  مهما بلغت سرعتها وانتشارها  أن تعوض قيمة الصحيفة بوصفها وثيقة تاريخية موثقة  يمكن الرجوع إليها بعد سنوات وعقود

فالمنصات الرقمية سريعة الزوال والتغيير  أما الصحيفة فتبقى شاهدا حيا على الزمن.

إن القرار الذي يحرم الصحف من الإعلانات لا يهدد اقتصاد المؤسسات الإعلامية فحسب  بل يهدد مهنة الصحافة ذاتها  ويدفع بالكفاءات إلى الهجرة أو الاعتزال  ويقوض التعددية الإعلامية  ويترك الساحة لوسائل لا تخضع دائما لمعايير المهنية والمسؤولية.

إن دعم الصحافة ليس منحة  وليس ترفا  بل هو استثمار في الوعي الوطني  وحماية للذاكرة العراقية  وصيانة لإرث حضاري يمتد لأكثر من قرن من العمل الصحفي.

فحين تموت الصحف  لا تخسر المؤسسات الإعلامية وحدها  بل يخسر العراق جزءا من تاريخه  وتُطوى صفحات من ذاكرته الوطنية ويصبح توثيق الحاضر أكثر هشاشة ويغدو المستقبل أقل قدرة على قراءة ماضيه.

ومن هنا  فإن إعادة النظر في هذا القرار لم تعد مطلبا نقابيا أو مهنيا فحسب  بل ضرورة وطنية لحماية إرث العراق الثقافي والإعلامي وصون ذاكرة شعبه للأجيال القادمة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours