نمتار / فائق العبودي
قبل أيام اتصل بي صديقي نادر يقترح عليّ النزول للمشي بمحاذاة البحيرة. أقول “النزول” لأن مدينة لوزان جبلية، بينما تقع بحيرة “ليمو” في المنطقة المنخفضة بين سويسرا وفرنسا.
جاءني في الساعة الثالثة عصرًا، فجلسنا بعض الوقت في الشرفة التي أتلفتها الطيور مستغلة غيابي. كنت قد أمضيت ثلاثة أسابيع في تنظيفها وترتيبها وإعادة وضع الحواجز لحمايتها.
احتسينا الشاي ثم انطلقنا بسيارته. وخلال الطريق كنا نثني على نظافة الشوارع وأناقة تنظيمها، وعلى جمال الأبنية الجديدة التي شُيّدت أخيرًا بعد سنوات من الاعتراضات. فقد كان بعض السكان يرون أن المباني المرتفعة تشوّه منظر المدينة وتحجب عن الناس رؤية البحيرة.
ركنّا السيارة وترجلنا. كان الجو جميلًا جدًا؛ الهواء نقي، ونسيم خفيف يلامس سطح الماء فيصنع أمواجًا صغيرة. وكانت أشعة الشمس تنعكس على البحيرة فتبدو كأنها مغطاة بمرايا عاكسة للضوء، بينما تضفي البرودة الخفيفة إحساسًا منعشًا على المارّة بمحاذاة الماء.
توقفنا ضاحكين أمام مرحاض عمومي، أجلكم الله، كان عبارة عن صندوق زجاجي شفاف أمام أنظار الجميع. لكن ما إن يدخل الشخص ويغلق الباب حتى يتحول الزجاج الشفاف إلى زجاج ضبابي لا يُرى ما خلفه.
سألت نادر:
– هل تستطيع أن تستخدمه؟
فأجاب:
– لاااا
وكانت الـ”لا” الطويلة أبلغ من أي شرح.
ثم بادرني بالسؤال نفسه، فقلت:
طبعًا لا. نحن العرب نسمي هذا المكان “طريق الراحة”، وهذا لا ينطبق عليه إلا سلب الراحة!
واصلنا السير. كان ممر المشاة بالاتجاهين لا يتجاوز مترين عرضًا، وكنا نتوقف بين الحين والآخر لنتأمل جمال البحيرة وسلسلة جبال الألب في الجانب الآخر، حيث مدينة إيفيون الفرنسية. وهي ليست بعيدة؛ الباخرة تحتاج إلى نحو نصف ساعة فقط للوصول إليها.
في ذلك المكان تحديدًا، لم أجد وصفًا أجمل مما قاله المرحوم شاكر أبو محمود، شقيق نادر، رحمه الله حين زار سويسرا قبل سنوات، وجئنا به إلى هذا المكان، جلس مأخوذًا بجمال الطبيعة، فسألته يومها:
– عمي أبو محمود، ماذا تشعر؟ البارحة كنت في البصرة، واليوم أنت على ضفاف بحيرة ليمو.
أطلق حسرة طويلة ثم قال:
– والله يا عمي، كأني جالس بتلفزيون
ومنذ ذلك اليوم لم أجد وصفًا أصدق ولا أجمل من هذه العبارة العفوية. فالطبيعة هنا ساحرة، والبحيرة صافية إلى درجة أنني أقول دائمًا إن ماءها “مغسول”. وهي تتغذى من ذوبان الثلوج التي تغطي القمم الجبلية الشاهقة، فتتشكل مناظر خلابة تذيب القلوب قبل الثلوج.
وصلنا بعد ذلك إلى مكان مخصص لألعاب الأطفال، فتذكر نادر حفيده ياسين، صاحب السنوات السبع، وأعرب عن قلقه لأن المدرسة طلبت حضور والديه، وأبلغتهما أن ياسين ذكي جدًا ومتقدم على أقرانه، الأمر الذي يجعله أحيانًا غير مندمج معهم. لذلك اقترحوا أن يزور الطبيب النفسي.
فقلت مازحًا:
– طبيب نفسي؟ ماذا سيعطيه؟ حقنة غباء مثلًا؟
ضحك نادر وقال:
– لا أعرف، لكن الموضوع يقلقنا
والحقيقة أن الأمر أثار فضولي، فبحثت فيه لاحقًا.
وتبين لي أن المدارس في سويسرا، عندما تلاحظ أن طفلًا يتمتع بقدرات عقلية تفوق أقرانه بشكل واضح، أو يتصرف بطريقة مختلفة عن بقية الأطفال، تقترح إجراء تقييم نفسي أو تربوي لفهم احتياجاته بصورة أفضل. فهم يريدون التأكد ما إذا كان الطفل موهوبًا ويحتاج إلى برامج أكثر تقدمًا تناسب قدراته، أو إن كانت هناك عوامل أخرى تؤثر في سلوكه أو اندماجه الاجتماعي. وبعد التقييم قد يُنصح بتسريع مساره الدراسي، أو توفير أنشطة إضافية له، أو إدماجه في برامج خاصة بالطلاب الموهوبين.
وأنا أستمع إلى قصة ياسين، خطر في بالي سؤال أكبر من قصة طفل واحد:
كم موهبة قمعت في بلادنا؟
وكم طفلًا متميزًا أُجبر على أن يكون نسخة من الآخرين؟ وكم مبدعًا قمعته العائلة أولًا ثم المجتمع بعد ذلك؟
ومع هذا كله، يبقى هناك من ينهض من بين الركام، ويشق طريقه رغم العوائق، ليبرهن أن الموهبة الحقيقية قد تتعثر أحيانًا، لكنها نادرًا ما تموت.
دمتم بالف خير
سويسرا/ لوزان


+ There are no comments
Add yours