إيهاب عنان
مدير التحرير – نمتار
في البدء كانت اليد .. اليد التي عجنت الطين قبل أن تُصبح جرّة ، والتي فتلت الصوف قبل أن يصير عباءة ، والتي مسكت القلم فحفرت الحرف على الرَّق حرفاً حرفا كأنها تولد من جديد كل مرة .
كانت الحقيقة يومها لا تحتاج الى برهان ، لأن الأثر نفسه كان برهانها كخشونة النسيج ، ارتجاف الخط وبصمة الإصبع في الفخّار ، الشيء كان يشهد على صانعه كما تشهد الندبة على الجرح .
ثم جاءت الآلة .. لم تكن الآلة خصماً للحقيقة في بداياتها ، بل كانت تسريعاً للصنعة لكنها ابتلعت شيئاً فادحاً في طريقها ، ابتلعت الوَرَّاقين ، أولئك النُسّاخ الذين كانوا يقضون العمر في نسخ مخطوطة واحدة بأناة العاشق ، فجاءت المطبعة وحولت الكتاب من طقس الى مُنتج واندثر الورّاق كما تندثر مهنة النبوءة حين يظهر التقويم ، واندثر النسّاج اليدوي أمام المنسج الآلي ودكاكين الخطّاطين أمام الحروف المصفوفة .
ولاحظ العالم بعد فوات الأوان أن ما اندثر لم يكن مجرد حرفة ، كان علاقة : علاقة الشيء بصانعه ، وعلاقة الصانع بالزمن الذي بذله ، فصار مصنوعاً يدوياً “Handmade” عبارة تُكتَب بفخر على الملصقات ويُدفع لأجلها ثمن أعلى ، لا لأن الصنعة اليدوية أتقن تقنياً ، بل لأنها أصدق ، صارت الندرة نفسها شهادة ميلاد للحقيقة .
والآن نقف على عتبة اندثار أعمق ، فحين تستطيع الآلة أن تكتب قصيدة توهمك بأنها مكتوبة بدمٍ حقيقي وأن تُلحن أغنية توهمك بأن صوتاً بشرياً يبكي فيها ، وأن ترسم وجهاً لم يوجد لإنسان لم يولد قط ويبدو أكثر حياةً من صورتك في المرآة ، عندها لا نكون أمام اندثار حرفة بقدر ماهو اندثار لمعيار التمييز نفسه ، حيث لم يعد السؤال : مَن صنع هذا؟ بل صار: هل مازال بإمكاننا أن نسأل ؟ .
هذا هو الفرق الجوهري بين اندثارين ، حين اندثر النسّاج اليدوي بقي بأمكاننا أن نلمس الفرق بين القماشين ، أما حين تندثر القدرة على التمييز بين المولَّد والحقيقي فإننا سنفقد الحاسة التي كانت تحمينا من الخداع ، وهذا اشبه بأن يفقد الإنسان حاسة التذوق في عالم يعج بالسموم المموَّهة بطعم العسل .
فهل ستندثر الحقيقة كما اندثر الورّاق والنسّاج والخطّاط ؟ أظن أنها لن تندثر لكنها ستُنفى الى الهامش كما نُفي هؤلاء الى الأسواق الشعبية والمتاحف ! ستصبح الحقيقة نادرة وستباع بثمن وسيُكتَب عليها ” شهادة أصالة ” كما يُكتَب على اللوحات ، وسيحتاج الإنسان الى آلة أخرى تشهد له أن هذا النص كتبه أنسان ، وهذا الصوت غنّاه حلق حقيقي وهذه الدمعة سالت من عينٍ لا من خوارزمية .
أزعم بأن سيأتي زمان قريب يقوم فيه الاقتصاد كله على صناعة التزييف ويصبح فيه “الحقيقي” رفاهية النخبة القادرة على تحمّل بطء الصنعة اليدوية للمعنى ! بينما تغرق الجموع في فيضٍ من الموَلَّد الرخيص واللامع والخالي من الروح لكنه يشبهها الى حد الخديعة ..
لكن – من موضع الأمل لا التطبيل – الإنسان الذي اخترع “الوسم” حين اخترع التزييف والذي اخترع “التوقيع” حين اخترع التقليد ، قادر اليوم على أن يخترع أخلاقاً جديدة تليق بهذا الفيضان : أن يلزم الآلة عن الإفصاح عن نفسها وأن يعلّم الأجيال الجديدة “حاسة تذوق” للحقيقة كما تعَلم حاسة الذوق للطعام وأن يعيد للتوقيع البشري قَداسته وأن يجعل من السؤال : من صنع هذا ؟ ولماذا؟ فعلاً يومياً لا ترفاً فلسفياً، فالحقيقة كالحرفة اليدوية لن تموت ، لكنها – إن لم نحرسها –ستُصبح متحفاً نزوره في المناسبات لا بيتاً نسكنه كل يوم.
وتبقى المفارقة الأخيرة ، أن أعظم عصرٍ في تاريخ البشرية من حيث القدرة على توليد كل شيء، قد يكون أفقر عصرٍ من حيث القدرة على أن يقول .. “هذا حقيقي” .
+ There are no comments
Add yours