نمتار / اياد القيسي

لماذا يستميت الإنسان في البحث عن مبررات خارجية لإخفاقاته، رامياً بثقل أفعاله على كاهل الماضي أو المجتمع أو حتى التكوين البيولوجي؟ يبدو هذا التساؤل مدخلاً حتمياً لتفكيك إحدى أعقد الظواهر السيكولوجية التي عالجتها الفلسفة الوجودية. ففي الوقت الذي تبحث فيه المدارس النفسية الكلاسيكية عن محركات السلوك البشري في دهاليز اللاوعي الخفية، يُقدّم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مقاربةً مغايرة تجعل من الإنسان كائناً شفافاً أمام ذاته، مسؤولاً بالمطلق عن أبسط خياراته، كاشفاً في هذا السياق عن ظاهرة نفسية مركزية تتمثل في الهروب الدائم من عبء الحرية.
تنطلق المقاربة السارترية من تأسيس أنطولوجي مفاده أن “الوعي” هو الحالة العامة والوحيدة للإنسان، وأنه يتسم دائماً بـ”القصدية” المستمدة من الطرح الفينومينولوجي عند إدموند هوسرل. يعني ذلك أن كل ما يتبدى للوعي الإنساني يندرج حتماً في نطاقه ويغدو جزءاً منه، وأنه لا وجود لأي عمليات خفية تدور خارج حدود هذا الوعي الفردي. من هذه البنية الأنطولوجية، ينحت سارتر مفهومه المركزي “سوء النية”، الذي يمثل البديل الوجودي الجذري لتفسير التناقضات السلوكية البشرية.

ولفهم آلية عمل “سوء النية”، لا بد من تجريد المفهوم من دلالاته الأخلاقية السطحية؛ فهو عند سارتر ليس حالة مرضية عابرة ولا نقصاً في الإدراك، بل هو التزام صريح بنمط وجودي ينكر ما يعرفه الشخص ويُدرك. في هذه الحالة، يُمارس الفرد تزويراً واعياً لواقعه الداخلي، إذ ينكر امتلاكه قدرة الاختيار الحر والمسؤول، مفضلاً الاعتقاد بأن وجوده مُسيَّر بحتميات خارجية قاهرة تفلت من إرادته. هذا السلوك، في جوهره، آليةُ هروب سيكولوجية من الاعتراف بمسؤولية كاملة تجاه حرية مروّعة لا مهرب منها.
ولتجسيد هذه الظاهرة في الواقع اليومي، تأمّل موظفاً يمضي سنوات في وظيفة يكرهها مبرراً ذلك لنفسه ولمن حوله بأنه “مُجبَر”، وأن الضغوط الاقتصادية والالتزامات العائلية “تُحتّم” عليه البقاء. وفق التحليل السارتري، هذا الموظف يمارس “سوء النية” بامتياز؛ إذ يعرف في قرارة وعيه أنه حر في الاستقالة وتحمّل تبعات قراره، لكنه يختار طوعاً أن يلعب دور الشيء المسلوب الإرادة، ليُخفف عن كاهله رعب اتخاذ القرار والتبعات. الإنسان هنا لا يجهل دوافعه الحقيقية، بل يتعمد الإعراض عنها؛ إنه يرفض مواجهة الحقيقة لكيلا يتحمل عبء معرفتها.
تتبلور هذه الأطروحة الوجودية في اشتباك معرفي مباشر مع مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية، ولا سيما مع مسلّمة فرويد في “اللاشعور”. فقد وجّه سارتر نقداً تفكيكياً لافتراض فرويد بوجود “جهاز رقابة” نفسي يكبت الخبرات المؤلمة في منطقة اللاوعي، رأى فيه تناقضاً منطقياً صريحاً: فالرقيب النفسي الذي يُفرز الخبرات ليُقرر ما يستحق الكبت، لا بد أن يكون واعياً بوجه ما بما ينبغي إخفاؤه، مما يعني أن العملية برمّتها تجري داخل نطاق الوعي لا خارجه. فضلاً عن ذلك، يرى سارتر أن إسناد السلوك الإنساني إلى قوى خارج الوعي المستقل يُحوّل الإنسان إلى كيان آلي تسيّره العُقد والغرائز بصورة حتمية وعشوائية. هذا التجريد من الفاعلية يتصادم تصادماً جذرياً مع المبدأ الوجودي الذي ينظر إلى الإنسان ككائن حر يُنتج ذاته باستمرار؛ فالتحليل النفسي الوجودي لا يبحث في صدمة طفولية بائدة تُشلّ الفرد، بل يسعى إلى الكشف عن ذلك القرار التأسيسي الأول، الخيار المضمر في الماضي في الغالب، لكنه خيار واعٍ اتُّخذ في لحظة من الحرية الخالصة، حتى حين يكون جوهره الاختيار بألّا يختار.
إن تفكيك ظاهرة “سوء النية” يضع الإنسان المعاصر أمام مرآة قاسية تسقط عنها كل الذرائع والحتميات البيولوجية والاجتماعية. الحرية في هذا النسق ليست منحةً مريحة، بل مسؤولية راديكالية ومصدر توتر لا يهدأ، وما الحيل النفسية التي يبتكرها الوعي سوى محاولات يائسة للتنصل من حقيقة أن الإنسان وحده صانع ماهيته.
تدور أهم أفكار الكتاب:
*الإنسان حر بطبيعته: يرى سارتر أن الإنسان لا يولد ومعه غاية أو جوهر محدد، بل يصنع نفسه من خلال اختياراته.
*الهروب من الحرية: لأن الحرية تعني تحمل المسؤولية الكاملة عن أفعالنا، يحاول كثير من الناس الهروب منها بإلقاء اللوم على الظروف أو المجتمع أو القدر.
*خداع الذات (سوء النية): وهو أن يكذب الإنسان على نفسه ليتهرب من مسؤوليته. مثل شخص يقول: “أنا لا أستطيع أن أغير حياتي” بينما هو في الحقيقة يخشى اتخاذ القرار.
*المسؤولية: كل اختيار نقوم به يعبر عن شخصيتنا، ولذلك لا يمكننا التنصل من مسؤولية قراراتنا.
الفكرة الأساسية
يريد سارتر الإجابة عن سؤال واحد:
ما معنى أن تكون إنسانًا؟
وجوابه هو:
الإنسان ليس شيئًا جاهزًا، بل يصنع نفسه بنفسه من خلال اختياراته.
أي أنك لا تولد بشخصية أو قدر محدد، بل تبني نفسك بقراراتك.
أولاً: الوجود يسبق الماهية..
هذه أشهر عبارة لسارتر
ماذا يقصد؟
لو صنعت شركة سكينًا، فإنها تعرف مسبقًا لماذا صنعته؛ أي أن له وظيفة محددة
أما الإنسان، فلا توجد “وظيفة” أو “خطة” جاهزة تحدد من سيكون بل يولد أولًا، ثم يختار ماذا يصبح.
مثال:
لا أحد يولد طبيبًا.
ولا مجرمًا.
ولا صالحًا.
كل ذلك نتيجة اختيارات متكررة
ثانيًا: الإنسان حر
يقول سارتر:
نحن أحرار حتى عندما لا نشعر بذلك قد لا تختار ظروفك، لكنك تختار كيف تتعامل معها.
مثلاً:
قد تخسر عملك.
يمكنك الاستسلام.
أو البحث عن فرصة جديدة.
أو تعلم مهارة أخرى.
الحدث ليس اختيارك، لكن رد فعلك اختيارك.
ثالثًا: الحرية مخيفة
الحرية ليست راحة بل عبء لأن كل قرار تتحمل مسؤوليته لهذا يشعر الناس بالقلق.
مثال:
إذا اخترت تخصصًا جامعيًا، فلا يمكنك لاحقًا أن تقول:
“ليس لي علاقة” أنت من اختار
رابعًا: خداع الذات (سوء النية)
من أهم افكار هذا الكتاب:
وهي أن يكذب الإنسان على نفسه حتى يهرب من مسؤوليته.
مثال:
شخص يكره عمله منذ عشر سنوات ويقول:
“أنا مجبر”
بينما يستطيع أن يستقيل، لكنه يخاف من التغيير.
إذن هو يقنع نفسه بأنه بلا خيارات.هذا هو خداع الذات.
خامسًا: الآخرون
يرى سارتر أن وجود الآخرين يجعلنا نشعر بأننا مراقبون.
مثال:
أنت وحدك في الغرفة.
ترقص بحرية.
وفجأة يدخل شخص.
تتوقف فورًا.
لماذا؟
لأنك أصبحت ترى نفسك بعينيه.
لهذا قال عبارته المشهورة:
“الجحيم هو الآخرون”
ولم يقصد أن الناس أشرار، بل أن نظراتهم قد تحولنا إلى أشخاص نهتم بصورة أنفسنا أكثر من حقيقتنا.
سادسًا: القلق
القلق عند سارتر ليس مرضًا بل نتيجة طبيعية للحرية لأن الإنسان يعلم أن مستقبله يعتمد على قراراته.
سابعًا: المسؤولية
أنت مسؤول عن حياتك حتى عندما تختار ألا تختار لأن عدم اتخاذ القرار هو أيضًا قرار.
ثامنًا: لا أعذار
يعارض سارتر فكرة تعليق كل شيء على:
الحظ.
المجتمع.
القدر.
التربية.
هو لا ينكر تأثيرها، لكنه يقول:
يبقى لديك قدر من الحرية في كيفية التصرف.
تاسعًا: كيف تكون أصيلًا؟
الإنسان الأصيل هو الذي:
يعترف بحريته.
يتحمل نتائج قراراته.
لا يختبئ خلف الأعذار.
لا يعيش لإرضاء الآخرين فقط.
خلاصة الكتاب:
يمكن تلخيص “الوجود والعدم” في خمس جمل:
أنت لا تولد بشخصية ثابتة؛ بل تصنع نفسك.
أنت حر أكثر مما تظن.
الحرية تعني مسؤولية، لذلك يخاف منها كثير من الناس.
كثيرون يخدعون أنفسهم ليتجنبوا تحمل المسؤولية.
الحياة التي تعيشها اليوم هي إلى حد كبير نتيجة اختياراتك المتراكمة.
إذا كنت مهتمًا بالفلسفة، فهو من أهم كتب القرن العشرين، لكنه ليس مناسبًا للمبتدئين بسبب لغته المعقدة وكثرة المصطلحات. أنصح بقراءة كتاب يشرح أفكاره أولًا ثم يقرأ هذا الكتاب (( الهروب من الحرية وخداع الذات عند جان بول سارتر)) ثم الانتقال إلى “الوجود والعدم”، وستجده أسهل بكثير وأكثر وضوحً.


+ There are no comments
Add yours