من نبيذ الشوق إلى قبلة الموت..قراءة نقدية لقصيدة “أسفل سفح” للشاعر حسن عبد الحميد

 

نمتار / اكرم توفيق

تقوم قصيدة (أسفل سفح) للشاعر حسن عبد الحميد على لغة حسية عالية الكثافة  لكنها لا تتوقف عند الوصف الجسدي  بل تجعل الجسد معبرا إلى حالة وجدانية تتداخل فيها الرغبة مع العجز  والنشوة مع الفقد  والحياة مع الموت.

يفتتح الشاعر بقوله:

لو طالت يدي

تمتد كما تبغي نواياي

فيؤسس منذ البداية لمفارقة بين قدرة الرغبة وعجز الواقع. فالنوايا تمتلك امتدادا لا تحدّه المسافات  بينما اليد تظل مقيدة بحدود الممكن.

وهنا تتجسد الفجوة بين الحلم والتحقق ثم ينتقل إلى صورة جريئة:

لكنت عصرتُ

نبيذَ النهد

وهي استعارة تنقل مفردات الخمر إلى فضاء الحب  حيث يصبح (النهد) مصدرا للنبيذ وتغدو اليدان رمزا للعشق الذي يسعى إلى أقصى درجات النشوة.

إنها صورة لا تقرأ بوصفها إثارة مجانية  بل باعتبارها توظيفا لرموز قديمة عرفها الشعر العربي منذ أبي نواس حتى شعر الحداثة  حيث يمتزج الجسد بالرمز.

ويبلغ النص ذروته بقوله:

تلك قبلة الموت

عزّت على قلبي الغريق

وهنا يحدث التحول الأبرز  فبعد تصاعد الشهوة  ينقلب المشهد إلى مأساة

فالقبلة التي يفترض أن تمنح الحياة تصبح بعيدة المنال فيظل القلب غريقا ينتظر شهقة نجاة لا تأتي.

إنها مفارقة تمنح القصيدة بعدها الوجودي  إذ يتحول الحب من وعد بالخلاص إلى سبب للاحتراق الداخلي.

أما الخاتمة:

عند أول سفح

من هواها..

طال واديها

هواي.

فهي من أجمل مقاطع النص  إذ يستثمر الشاعر ثنائية السفح والوادي ليجعل تضاريس المكان مرآة لتضاريس العاطفة. فالسفح بداية الصعود  والوادي امتداد لا نهاية له  وكأن الحب رحلة لا يبلغ العاشق قمّتها  بل يظل تائها في منحدراتها.

فنيا.. تمتاز القصيدة :

بلغة شعرية مكثفة تعتمد الصورة أكثر من السرد.

وتدرج درامي يبدأ بالرغبة  ثم النشوة  فالعجز  وينتهي بالتيه.

وصور استعارية مبتكرة تجمع بين مفردات الخمر والجسد والطبيعة والموت.

إيقاع داخلي نابع من تكرار بعض الألفاظ مثل (يداي) (شفتاي ) (هواي) مما يضفي موسيقى هادئة تتناغم مع انكسار المتكلم.

ورغم جمال النص  فإن بعض التعابير مثل (حد ما تثمل سكرا)  تبدو أقرب إلى التعبير الدارج منها إلى الفصاحة الشعرية التي سادت بقية القصيدة  وكان يمكن تهذيبها لغويا لتنسجم مع المستوى البلاغي العام للنص.

في مجملها (أسفل سفح ) قصيدة وجدانية تتجاوز ظاهرها الإيروتيكي إلى تأمل عميق في شهوة الحياة واستحالة الاكتمال  حيث يتحول الجسد إلى لغة  والقبلة إلى خلاص مؤجل  والحب إلى واد يطول كلما ظن العاشق أنه اقترب من قمته.

 

نص قصيدة “أسفَلُ  سَفح”

شعر/ حسن عبدالحميد

لو طالَتْ يَدي

تَمتَدُّ

كما تَبْغي نَواياي

لكنت عصرتُ

نبيذَ النَّهدِ ..عصرًا

حد ما تثمل سُكْرًا

يداي..

ابدًا…ما كان طعم الشَّهْدِ

أشهى…

مَنْ لثَّمَ شَفَتَيْها

شفتاي..

تلك قُبلَة الموت

عزَّتْ ..على قلبي الغريق

لحظة

تنقذه شهقًا

فخارت قِواي..

عند أول سفحٍ

من هَواها.

طال واديها

هواي..

ح.ع.الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours