نمتار / فائق العبودي
بعض الأحاديث لا تنتهي عند لحظة انتهائها، بل تبدأ هناك فقط، وتفتح أبوابًا للدهشة.
أخيرًا بدأ الطقس يتحسن، ولم تعد هناك حاجة للملابس الثقيلة. قررت أن أخرج إلى مركز المدينة الذي اشتقت إليه كثيرًا؛ الأزقة الهادئة المرصوفة بالحجر، حركة الناس، وصدى الموسيقى الذي كان يصل من بعيد وكأنه يرحب بالزائرين القادمين. كانت المقاهي الممتدة على الأرصفة تعج بالضحكات والأحاديث، فيما اصطفت المحلات الأنيقة على جانبي الطريق في مشهد يبعث على الراحة.
كنت أتجول بهدوء، أشحن روحي بشيء من الطاقة الإيجابية التي افتقدتها خلال أشهر البرد الطويلة. ثم جلست على أحد المقاعد الخشبية أمام باب الكنيسة أتأمل الأعمال الفنية المرسومة على الزجاج الملون، وكيف كانت أشعة الشمس تتسلل عبرها لترسم ألوانًا هادئة على الأرض.
هناك، ومن بعيد، رأيت سونيا، أستاذتي الأولى في اللغة الفرنسية. سونيا ابنة لأب إيطالي وأم سويسرية، وقد تعرّفت إليها قبل سنوات بصدفة غريبة. يومها تبادلنا الابتسامة في الشارع، وحيّتني بعبارة «بونجور»، ثم أكملت جملة بالفرنسية، في حينها لم أفهم منها شيئًا. سألتها إن كانت تتحدث الإنجليزية، فأخبرتني أنها تتحدث الفرنسية والإيطالية والألمانية واليونانية، وأنها تعمل مدرسة للغة الفرنسية.
مازحتها يومها قائلًاً :
- إذن اجعليني أحد طلابك
فضحكت ووافقت، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أستاذتي، تعطيني دروسًا خاصة مجانية. ومع مرور الوقت تحولت العلاقة بين المعلمة والطالب إلى صداقة جميلة قائمة على الاحترام والمودة. وعندما انتهت من تدربسي أهديتها إحدى لوحاتي تعبيرًا عن امتناني لجهودها.
عندما رأيتها ذلك اليوم، رفعت يدي ملوحًا لها، فبادلتني التحية بابتسامة دافئة. التقينا وجلسنا في مقهى خارجي بجوار الكنيسة نحتسي القهوة ونتبادل أخبار السنوات التي مضت.
تحدثنا عن أمور الحياة، وأخبرتني أنها تعاني من مشاكل في المفاصل، لذلك أصبحت تستعين بعكاز أثناء المشي. ثم سألتها عن والدها ووالدتها اللذين كانا يعيشان في مركز لرعاية المسنين.
ساد صمتٌ مفاجئ، أثقل من أن يُمرّ مرورًا عابرًا
ثم قالت بهدوء:
– لقد رحلا
لم تضف شيئًا في البداية، وكأن الكلمات نفسها كانت ثقيلة عليها.
أخبرتني أن والدتها توفيت أولًا بعد أن أتمت الحادية والتسعين من عمرها، وبعد أسبوعين فقط لحق بها والدها الذي بلغ الثالثة والتسعين.
كانت تتكلم وكأنها تقرأ حدثًا بعيدًا، لكن عينيها كانتا تقولان شيئًا آخر.
ثم قالت إن والديها، قبل وفاتهما، تحدثا طويلًا عن مكان الدفن. كان والدها يرغب في العودة إلى إيطاليا، بلده الأم، بينما لم تكن والدتها مقتنعة، وقالت له:
– هناك لا أعرف أحدًا، فكيف نُدفن بعيدًا عن المكان الذي عشنا فيه حياتنا؟
وبعد نقاشات طويلة توصلا إلى اتفاق بسيط وعميق في الوقت نفسه: أن يُدفنا معًا في سويسرا، في قبر واحد.
ثم نظرت سونيا نحو الكنيسة وقالت:
– وهذا ما حدث بالفعل
ارتشفتُ رشفة من قهوتي، ونظرتُ إلى الناس المارين في الساحة.
وفكرت أن الإنسان قد يختلف طوال عمره حول المدن والأوطان والحدود، لكن عندما يقترب من نهاية الطريق، يكتشف أن ما كان يبدو مهمًا ليس كذلك دائمًا.
غادرتُ المقهى بعد ذلك
كانت الأزقة هي نفسها،
والموسيقى هي نفسها،
والمدينة كما عرفتها دائمًا…
لكن شيئًا في داخلي لم يعد كما كان
فقد أدركت أن كل حديث عن رحيل الآخرين
يوقظ فينا بصمتٍ رحيل من فقدناهم نحن أيضًا،
وكأن الغياب لا يرحل حقًا،
بل يبقى نائمًا في أعماقنا، حتى توقظه كلمة عابرة أو ذكرى بعيدة.
وفكرت أن الإنسان في النهاية لا يبحث عن مكانٍ جميل، بل عن يدٍ واحدة لا تتركه…حتى عندما ينتهي الطريق.
سويسرا- لوزان
2026




+ There are no comments
Add yours