بديع الكلام…لماذا نشعر بالوحدة في عالم فائق التواصل؟

 

 نمتار / حنان بديع

لم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا الكم الهائل من وسائل التواصل كما تمتلكه اليوم. بضغطة زر نستطيع الوصول إلى مئات الأشخاص، ومتابعة تفاصيل حياة الآلاف، وإجراء محادثات مرئية مع من يبعدون عنا آلاف الكيلومترات. ومع ذلك، تشير دراسات عديدة إلى أن الشعور بالوحدة أصبح أكثر انتشارًا من أي وقت مضى، حتى وصفه بعض الباحثين بأنه “وباء العصر”. فكيف يمكن لعالم يمتلئ بالرسائل والإشعارات والإعجابات أن يترك الإنسان أكثر عزلة؟

تكمن المفارقة في أن كثرة التواصل لا تعني بالضرورة وجود علاقات إنسانية عميقة. فالتفاعل عبر الشاشات غالبًا ما يكون سريعًا وعابرًا، يقتصر على التعليقات المختصرة أو الرموز التعبيرية، بينما يحتاج الإنسان بطبيعته إلى الحوار الحقيقي، والإنصات، والشعور بأنه مفهوم ومقبول كما هو. ولهذا قد يمتلك الشخص آلاف المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يشاركه مخاوفه أو يستمع إليه عندما يثقل قلبه.

وفي حين فرض إيقاع الحياة الحديثة نمطًا سريعًا من العيش، حيث أصبح الوقت سلعة نادرة. ساعات العمل الطويلة، والانشغال الدائم، والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، كلها عوامل قللت من اللقاءات العائلية والجلسات الهادئة التي كانت تبني روابط إنسانية متينة. فالعلاقة الإنسانية لا تنمو بالرسائل وحدها، بل تحتاج إلى وقت مشترك، ونظرات، وضحكات، ومواقف تُعاش معًا.

في الفضاء الرقمي يسعى كثيرون إلى تقديم نسخة مثالية من أنفسهم، وحين يشعر المرء بأنه لا يستطيع أن يكون على طبيعته، تبدأ الوحدة بالتسلل إليه، حتى وهو وسط حشود من الناس.

نعم، قد يعيش الإنسان وحيدًا دون أن يشعر بالوحدة، إذا كان محاطًا بعلاقات صادقة تمنحه الأمان والانتماء. وفي المقابل، قد يجلس وسط أسرة كبيرة أو في مكان عمل مزدحم، لكنه يشعر بأنه غير مرئي أو غير مسموع.

لا يحتاج الإنسان إلى توسيع دائرة معارفه بقدر ما يحتاج إلى تعميقها. فمكالمة هاتفية صادقة قد تكون أكثر أثرًا من عشرات الرسائل، ولقاء عائلي بلا هواتف قد يخفف من الشعور بالعزلة أكثر من ساعات يقضيها المرء على الإنترنت.

كما أن الاهتمام بالأنشطة المشتركة، والعمل التطوعي، والهوايات الجماعية، وإعطاء الوقت للأصدقاء والعائلة، كلها وسائل تعيد بناء الروابط الإنسانية التي لا تستطيع التكنولوجيا أن تحل محلها.

لقد جعلتنا التكنولوجيا أقرب من بعضنا جغرافيًا، لكنها لم تضمن أن نصبح أقرب إنسانيًا. فالحضور الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بطول قائمة جهات الاتصال، بل بوجود شخص يشعر بك قبل أن تتكلم، ويستمع إليك دون استعجال، ويمنحك مساحة لتكون كما أنت.

قطر- الدوحة

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours