حقيبة مغترب …الكيس الدهني الذي أوقعني في ورطة

نمتار / فائق العبودي

بالامس كان عندي موعد مع صديقي القديم نادر موسى، وهو من أهالي البصرة الكرام.صديق قديم، أرواحنا قريبة، كأنها تعرف بعضها قبل أن نعرف نحن أنفسنا.

جلسنا في كافتريا مركز التسوق مانور، في قلب مدينة لوزان الجميلة ، تحدثنا عن هموم الحياة، ووصلنا الى سفرته الأخيرة لمدينة أغادير المغربية، التي وصفها لي كمدينة تنهض من البحر إلى الضوء، عمران وبنى تحتية ونظافة تجلب الانتباه،

ثم انتقل الحديث إلى برنامج وثائقي شاهده على شاشة قناة arte عن مايسترو كبير جاءه  اتصال من أعرق مسارح مدينة روما، يوجهون له دعوة لقيادة الفرقة الموسيقية، فنان كبير بالفن والعمر ظن أن المجد عاد إليه، و بينما هو مشغول بالتحضير للسفر،   وإذا  بالابن يبلغه أنه مدعو لقيادة نفس الفرقة الموسيقية المشهورة التي تقدم عروضها في أهم مسارح روما.

وبعد الاتصال لمعرفة من المطلوب بالضبط؟ تبين أن الدعوة وصلت بالخطأ للأب

هذه الغلطة الصغيرة صنعت قطيعة كبيرة، بين الأب وابنه، كون الأب لم يحتمل هذا الخطأ بسبب الغيرة، وذكرنا حوادث مشابهة، غيرت أمور كثيرة وذكرت له واقعة قريبة حدثت معي.خلاصتها حرفان من الاسم فقط قد يغيران مصيرًا كاملًا، أو يصنعان شيئًا أكثر غرابة، أشارككم هذه الحكاية:

قبل ثلاث سنوات تقريبًا، كنت منزعجًا من حبة صغيرة في ظهري أو كما تسمى بالكيس الدهني شيء بسيط، لكنه مزعج، على إثرها شكوت للطبيب الذي أحالني إلى المستشفى القريب من سكني  لإزالة هذا الكيس.

في حينها رافقتني زوجتي التي كانت تحمل حقيبة سفرها، واتفقنا أن أوصلها إلى محطة القطار بعد أن أنهي هذه العملية الصغيرة.

في المستشفى طُلب مني أن احضر قبل الموعد بربع ساعة لتوقيع أوراق التأمين الصحي وهذا ما فعلته، أنجزت الأوراق، وطلبوا منا الجلوس في صالة الانتظار…جلسنا قليلًا، حتى جاء ممرض يحمل مفاً، نظر نحوي بابتسامة وقال

سيد ف..ا لم أعطيه أي فرصة  ليقرأ الاسم كاملًا.وقفت وقلت بكل ثقة نعم.

قال: تفضل معي سيدي

وطلب من زوجتي الانتظار.

في طريقنا سألته: كم نحتاج من الوقت؟ كون زوجتي لديها موعد للقطار.

قال بهمس مطمئن : لا تقلق، كل شيء سيكون على ما يرام، لكنه لم يجب سؤالي.

وصلنا إلى الطابق الثاني وطلب مني الجلوس في غرفة صغيرة، وهو يهمس انتظر هنا والدكتورة سوف تناديك، جلست دقيقة أو اثنتين، وإذا بالدكتورة الشابة تفتح الباب وتقول: تفضل سيدي، ولم تقل الاسم، دخلت عندها وسألتها مباشرة:

دكتورة كم يأخذ من الوقت هذا الموضوع؟

قالت بهدوء طبي: اليوم سنجري بعض الاختبارات، التي تمكننا من تحديد العلاج، وهذا سيعتمد على تجاوب الجسم، حتى نصل للحمل الطبيعي.

تجمدت ملامحي.

قلت: عفوًا دكتورة، لم أفهمك

أعادت الجواب ببطء.هنا بدأ عقلي يركض أسرع من قلبي

قلت لها: وماعلاقة الحمل بموضوعي؟

نظرت الي باستغراب وقالت : لم أفهم سؤالك؟

قلت: دكتورة انا عندي حبة بظهري… أو ما يسمى بالكيس الدهني..

تراجعت خطوة  إلى الخلف دليل على الاستغراب، وقالت: لم أفهم ماذا تقصد؟

رفعت ملابسي قليلًا واشرت الى ظهري: أنا هنا بسبب هذه الحباية التي تزعجني، والطبيب قال ممكن إزالتها، لا أكثر، نعم دكتورة جئتُ هنا من أجل الكيس الدهني، وليس من أجل مشروع عائلة.

أطلقت سراحي بعد أن فهمت، أنا في المكان الخطأ

والحقيقة أنا من صنع هذا الخطأ

الممرض لم يكمل جملته، لم أعطه فرصة صغيرة ليقول الأسم كاملًا، اكتفيت بالحروف الأولى والتي كانت تشبه حروف اسمي الأولى ، حقًا إنها مصادفة غريبة، وهكذا رشحت نفسي للاختبار بكل ثقة.

وهذا الترشيح أوصلني إلى مكان لم يكن لقسم الجراحات البسيطة طرفًا فيه، بل أوصلني الى القسم الخاص بمشاكل الانجاب رجعت إلى زوجتي مبتسمًا.

وجدتها شاحبة، عيناها مفتوحتان، حاجبيها مرفوعة وفهمت أن الممرض توقف عندها وأخبرها بأنه سلمني لأيادٍ أمينة، وتمنى لها ولي الشفاء العاجل، نعم لها ايضاً

مجرد وصلت لها قالت : فائق، لماذا لم تخبرني بالحقيقة؟

اشرح لي كيف كيس دهني بظهرك، يلزمني بالعلاج؟

قلت : وما علاقتك انتِ بالعلاج؟

قالت: الممرض جاء قبل قليل وقال لي إنهم سيجرون لك فحوصات، وحسب علمه بالحالات المشابهة، ربما نحتاج نحن الإثنين لفحوصات مشتركة خلال الاسبوع القادم، وقال ربما الدكتورة ستعطينا دواء لمدة ثلاثة أشهر، ثم نعيد الفحوصات.

ما علاقتي أنا يا فائق أخبرني أرجوك؟

نظرت اليها وأنا مبتسم و قلت: ياعزيزتي، أنا جئت لأزيل كيسًا دهنيًا كما أخبرتك، وأوقعت نفسي بملف مريض أخر يطلب المساعدة ليستطيع الانجاب وشرحت لها القصة كاملة.

ثوان من الصمت، ثم انفجرنا ضاحكين في صالة الانتظار.

بعد قليل نادوني باسمي الكامل هذه المرة ، دخلت إلى الجراح الذي أزال الكيس خلال ربع ساعة، وأثناء عمله حكيت له القصة التي حصلت، فضحك بقوة هو والممرضات وقال لي: جميل، صنعت لنفسك حكاية تحكيها لأولادك.

ابتسمت وقلت في نفسي:الحمد لله إنني سألت عن كم يستغرق من الوقت

دمتم بألف خير

سويسرا/ لوزان

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours