نمتار / خالد الطشي
مقال اليوم يختلف عن مقالات الأمس. أكتبه بلا مواربة ولا مجاملة، مدفوعًا بمسؤولية وطنية تجاه شعب أنهكته الحرب وأثقلته المعاناة، بينما انشغلت القوى السياسية بصراعات السلطة وتقاسم النفوذ.
وأدرك أن هناك من سيواجه هذا الطرح بالتخوين بدلًا من مناقشة مضمونه، فيتهم كل صوت ناقد بالانتماء إلى الحوثيين أو التعاطف معهم. ولهؤلاء أقول: لا تجعلوا من الحوثي شماعة تعلقون عليها الفشل والعجز وسوء الأداء والإدارة. فالوطن أكبر من جميع الأطراف التي تتنازع على السلطة، بينما يظل المواطن وحده من يدفع ثمن الحرب والانقسام والانهيار.
فلا إعتراف لسلطة أمر واقع لا تستند إلى مرجعية وطنية جامعة، وما أكتبه اليوم ليس دفاعًا عن طرف ولا خصومة مع آخر، بل شهادة أمام التاريخ في لحظة تستوجب الصراحة أكثر من أي وقت مضى.
عندما اندلعت الحرب عام 2015 رُفعت شعارات استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة. وبعد أكثر من عقد من الزمن، يحق لليمنيين أن يتساءلوا:
ماذا تحقق من تلك الأهداف؟ فالدولة لم تعد، والانقسامات تعمقت، فيما تدهورت أوضاع المواطنين المعيشية إلى مستويات غير مسبوقة وجرى تشكيل
مجلس القيادة الرئاسي باعتباره مخرجًا سياسيًا للمرحلة الانتقالية، وحظي باعتراف إقليمي ودولي واسع. غير أن الاعتراف الخارجي وحده لا يصنع الشرعية، فالشرعية الحقيقية تستمد قوتها من إرادة الشعب، ومن الالتزام بالدستور، ومن القدرة على خدمة المواطنين وحماية مؤسسات الدولة.
ومن حق اليمنيين أن يتساءلوا أيضًا عن حالة التوسع في استخدام الصفات السيادية داخل المجلس. فالمجلس شُكِّل كهيئة جماعية لإدارة مرحلة استثنائية، ومع ذلك أصبح كل عضو فيه يُقدَّم للرأي العام نفسه بصفة “نائب رئيس” ويتعامل مع الآخرين على هذا الأساس. وهنا يبرز سؤال مشروع:
أين السند الدستوري والقانوني الذي يمنح هذه الصفة لجميع الأعضاء؟
لامن التوسع فب الالقاب وتوزيع الصفات السيادية خارج اطارها القانوني . فاحترام الدولة يبدأ من احترام دستورها.
واليوم، وبعد رحيل الرئيس عبدربه منصور هادي، تتزايد الأسئلة حول مستقبل المجلس ومشروعه الوطني. فماذا قدم لليمنيين؟
وما هي رؤيته لاستعادة الدولة وإنهاء حالة التشظي والانقسام؟
إن أول اختبار حقيقي أمام المجلس هو العودة إلى الوطن الذي يتحدث باسمه. فالدول لا تُدار من الخارج، والشرعيات لا تُبنى بعيدًا عن شعوبها. كما أن مسؤوليته لا تقتصر على إدارة الأزمة، بل تتطلب بناء مشروع وطني جامع يفتح المجال أمام جميع القوى الوطنية دون إقصاء أو تهميش، ويضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار.
وتبقى الأولوية الحقيقية لأي سلطة تدّعي تمثيل اليمنيين هي معالجة هموم المواطنين ومشكلاتهم اليومية. فملايين اليمنيين اليوم يصارعون الجوع والفقر وانهيار الخدمات الأساسية وتراجع قيمة العملة وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة. ولذلك فإن أي حديث عن الشرعية أو السلطة يفقد معناه ما لم ينعكس على حياة الناس وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.
إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المراحل الانتقالية ولا إلى إعادة تدوير الأزمات، بل إلى قيادة وطنية تحكم من أرض الوطن، وتحتكم إلى إرادة الشعب ومرجعية الدستور، ؛وتؤمن بأن السلام والشراكة الوطنية ، كما يحتاج إلى دولة مدنية حديثة تتسع لجميع أبنائها، تقوم على سيادة القانون والمؤسسات، وتكون قادرة على تحقيق سلام مستدام ينعكس على حياة المواطنين وأمن المنطقة واستقرارها، ويحفظ لليمن دوره ومكانته بين الأمم.
لذلك سيظل الأمل معقود على الأشقاء في التحالف العربي بأن يتحول دعمهم في هذه المرحلة من دعم أطراف الصراع إلى دعم مشروع الدولة والسلام، باعتبار أن استقرار اليمن لم يعد مطلبًا وطنيًا فحسب، بل ضرورة إقليمية ودولية.
ويبقى السؤال الذي ينتظر اليمنيون إجابته:
هل يمتلك مجلس القيادة الرئاسي الشجاعة للعودة إلى الوطن وقيادة مشروع دولة لكل اليمنيين، أم أنه سيظل أسير شرعية الخارج بينما تتآكل شرعيته في وجدان الشعب!؟
2026/6/9



+ There are no comments
Add yours