موجات زهير الجزائري المرتدة

نمتار / فاطمة المحسن

لا ازعم قدرتي على قراءة  كل مذكرات زهير الجزائري، فقد آتت في ثلاثة أجزاء منذ ولادته حتى فترة متأخرة من عمره. ولكني بدأت من الفترة الأكثر خصباً في حياته، يوم عودته إلى العراق بعد ان قضى سنوات ليست بالقليلة مع المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان . ولكن ذاكرته المنسابة لا تحصر الذكريات بسنوات محدودة، بل يتصادى ماضيه مع حاضره في كل فترة يسجلها.

أتذكر يوم كنا معا نكتب على طاولات متجاورة في صحيفة واحدة ، كان زهير عندما يخلو لنفسه يظهر دفترا ليسجل أحداث يومه كما قال لي مرة عندما سألته عن سر هذا الدفتر، وهي عادة حضارية لم تكن من شيمنا ، فنحن نهرول خارج التواريخ ولا نقف عندها لنسجل ما اسقطته الذاكرة من أحداث.

ولكن  زهير الجزائري عندما يكتب تلك الأيام يتحدث عن ذاكرتنا المشتركة ذاكرة مجموعة من الأصدقاء الذين ما أن يفترقوا حتى يلتقوا مرة أخرى في كل مكان وأوان . ينقص منا واحد أو يزيد ولكننا نضمد جراحنا ونتابع العيش على مقربة من بعضنا كأننا نرهب وحشة الفقد .  الأيام التي جمعتنا تتعرض إلى هزات نفترق فيها ثم نعود للقاء لنداري جروحنا أو لنستكمل مسيرتنا.

لعل زهير الجزائري أكثرنا قدرة على الاستقرار و الثبات وأشدنا رغبة بالمغامرة، فهو استطاع العودة إلى العراق بعد منفى طويل عشناه في أماكن مختلفة. فكانت العودة أقرب إلى معجزة حين تفقد الأهل والصحب والبيت الذي تسكنه وتشعر عند زوراتك المتقطعة، كما لو كان يتعين عليك ان تكون سائحا  تسكن فندقا، وتتجول منقبا عن بقاياك،  او بقايا ما تركته وهربت مهرولا.

استطاع زهير ترميم نفسه داخل العراق ببيت وحياة عائلية وصحبة منوعة تبقيه على مقربة من كل تلك الذكريات التي كتب عنها وفي حضن الأهل الذين تركهم. فقد خّلف المنفى وراء ظهره ، واستعاد الوطن.

بول ريكور يتحدث عن ذاتية الذاكرة وموضوعية التاريخ ، وهذه تعني ان الذاكرة تنطلق من صدقية تأويل ما يحمله الذهن من بعد ذاتي، فيما يحمل التاريخ حقيقته الموضوعية التي يتفق عليها الناس ، ولعل مذكرات زهير تجمع الجانبين التاريخي والذاتي.

يقول زهير بالنص : “دخلت العراق صيف عام ١٩٧٢ مع زوجتي وابني نصير في عامه الثاني عائلة فتية وأنيقة تعود للبلد من رحلة بلا سياحة” يضع تاريخا مطلع السبعينات لمكان كان فيه البعث قد أحكم قبضته على السلطة، ويحاول ان ينسي الناس تجربته الأولى التي دامت تسعة اشهر . عبر قواعد جديدة للعمل كان يعد مصايد  احتواء لأكبر ضحاياه السابقين واللاحقين الشيوعيين. وحيث كان الفكر الماركسي علامة من علامات تلك المرحلة، يمنح البعث للشيوعيين بإرادته أو بدونها  بعض حرية تتخللها تصفيات وتعذيب ومطاردات، ولكنه  كان يدرك ان عليه ان يقتحم حصون الثقافة التي يتمترس بها الشيوعي والماركسي خلال الستينات والسبعينات  .كان لابد والحالة هذه ان يطغى الجانب السياسي على  استرجاعات زهير الجزائري عن تلك الفترة، وفي فسحات أخرى يطل  من كوة الحياة على أوقات المتع والسعادات في بغداد السبعينات.

أول ما اشتغل زهير بعد عودته  في مجلة ” الإذاعة والتلفزيون ” وتكاد تكون هذه المجلة محطة المثقفين الشيوعيين الأولى لتحصيل الرزق، فقد سبقه ودله عليها الأصدقاء  سهيل سامي نادر رياض قاسم عبد الرحمن طهمازي. وهكذا يكتب بعد اسطر قليلة عنوانا جديدا ” غرباء في بلدنا” : ” أبدا لم نشعر يوما ما بأن البلد بلدنا، هذه المؤسسات المبنية بجهدنا وبأموال البلد مملوكة مادة وفكرا للبعث، ونحن غرباء فيها . نعيش بالقدرة وما يقدم لنا هو فائض البعث ، ندري بهذه الحقيقية ونتصرف بحذر نسميه ” عقلانية.”

يتيه زهير في التواريخ ومن يعش تلك الفترة يدرك تداخلها في ذاكرته . ولكنه يسجل الشعور الأكثر انتسابا للشيوعيين عندما سمحت لهم السلطة بالتحشيد لتظاهرة الجبهة الوطنية بعد ان وقع أحمد حسن البكر وعزيز محمد بيان الصلح. حيث خرج الشيوعيون بالآلاف في مسيرة بدت وكأنها تسجل حضورا غير مسبوق لهم . كانت أقرب إلى مفاجأة بعد تصفيات ودماء خاضوها في سجون ممتدة على امتداد العراق.

تمخض عن الجبهة الوطنية صدور جريدة الشيوعيين ” طريق الشعب” التي اشتغل زهير محررا أكثر من صفحة فيها  . يسجل الكثير من الذكريات عن تلك الفترة  ويكتب في مقطع منها :  ” كأنني كنت على موعد مع الجريدة العلنية للحزب ، الوجوه الثقافية التي رافقت التأسيس الأول للجريدة  كنت معجبا بها : سعدي يوسف، يوسف الصائغ ، صادق الصائغ،  فايق بطي ، سلوى زكو ، مصطفى عبود ، فالح عبد الجبار رشدي العامل. وهكذا جمعتنا الجريدة كعائلة تجمعنا وحدة المصير.

هل كانت ” طريق الشعب ” حيث شكلت محطة زهير الجزائري الأخيرة في العمل والصداقات قد انهت غربته ؟ ربما فعالم زهير حافل بالصداقات ولكن طريق الشعب وعملها كانت وراء الكثير من خياراته بما فيها خيارات الغربة الجديدة بعد ان انتهى عرس البعث ليحل عرس الدم في سماء العراق.

تعثر في مذكرات زهير على انتباهات جميلة يسجلها بلغة تستحق الاعجاب، وتشكل إضافة الى مؤلفات زهير الكثيرة حيث تحتل اليوميات سواء كانت من صنع الخيال أو الواقع، حيزا مهما في أدبه.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours