مبضع “ترامب” السياسي: استراتيجية العزل الشخصي وإعادة صياغة النفوذ في العراق

نمتار / د . عبد الوهاب العاني

​​تدرك الإدارة الأمريكية الحالية، بعقليتها البراغماتية، أن العملية السياسية في العراق معقدة لدرجة تجعل من إقصاء كتل برلمانية كاملة أمراً يقترب من المستحيل دون إحداث فوضى شاملة. لذا، لجأت واشنطن إلى استراتيجية “تفكيك النفوذ” من الداخل.

الرفض الأمريكي للمالكي ورفاقه لا ينبع من خصومة شخصية تاريخية فحسب، بل هو نتاج رؤية استخباراتية تصنف هذه الشخصيات كـ “أذرع تنفيذية” للمشروع الإيراني. إنها عملية جراحية سياسية تهدف إلى عزل الشخصيات الراديكالية لفتح المجال أمام وجوه أكثر مرونة.

​​الرسالة التي تبعث بها إدارة ترامب واضحة وجلية: “لا ممانعة في التعامل مع حكومة يشكلها الإطار التنسيقي، ولكن المانع يكمن في هوية من يقودها”. واشنطن لم تعد تحارب الكيان السيادي (الإطار)، بل تضع شروطاً قاسية على “المشغل” لهذا الكيان. وتتلخص متطلبات القبول الأمريكي في ثلاث ركائز إستراتيجية؟

​1 – سيادة القرار: القدرة على خلق توازن حقيقي بين طهران وواشنطن دون الانزلاق الكلي نحو محور المقاومة.

​2 – الانضباط المالي: وهو الملف الأكثر حساسية لدى ترامب؛ حيث يمثل ضمان عدم تسرب العملة الصعبة (الدولار) إلى جهات معاقبة دولياً حجر الزاوية في استقرار أي حكومة قادمة.

 

​3 – -الضمانات الأمنية: الالتزام الصارم بحماية البعثات الدبلوماسية والمصالح الأمريكية، وتفعيل بنود اتفاقية الإطار الإستراتيجي بعيداً عن ضغوط الفصائل.

​​يضع هذا الفيتو الأمريكي قوى الإطار التنسيقي أمام اختبار هو الأصعب منذ تأسيسه. فالتمسك بالأسماء المرفوضة يعني الدخول في “صدام مباشر” مع إدارة لا تتردد في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والشخصية، وهو ما قد يؤدي إلى شلل مالي للحكومة العراقية. أما الخيار الثاني، فهو اللجوء إلى “البراغماتية السياسية” عبر تقديم شخصيات من الصف الثاني أو “تكنوقراط” سياسي، يمتلكون المقبولية الدولية وقدرة المناورة بين الضغوط الأمريكية والطموحات الإقليمية.

​​إن أمريكا في عهد ترامب لا تبحث عن “قلب الطاولة” أو تغيير النظام السياسي في العراق، بل تسعى جاهدة لـ “تعديل سلوكه”. هي تقبل بمشاركة الجميع، ولكنها تشترط أن يكون “ربان السفينة” قادراً على الإبحار وفق المعايير الأمريكية. في نهاية المطاف، تتعامل السياسة الأمريكية ببرود مع “الأدوات”؛ فمتى ما وجدت “الأداة” التي تلبي المتطلبات الإستراتيجية وتضمن المصالح، سقطت التحفظات، وتلاشت خطوط الفيتو الحمراء.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours