آسى الحرير .. فوق شجرة الأحزان في تجليات تجربة سميرة عبد الوهاب

نمتار / حسن عبدالحميد

بأكثر من منحى و إستهلال يُمكن أن يفضي بنا نحو جوهر تجربة الفنانة الكبيرة(سميرة عبدالوهاب)،بدءاً من ملامسة وفحص سِحر وسّر البدايات التي أختطّت مياسمها منذ أولى معارضها الشخصيّة على نادية العلويّة ببغداد/1971،قبل أن تتجوّهر رؤاها وتتبلوّر في محوّر موضوعها الأثير من إتخاذ(المرأة)قضيةً حيويّة ومركزيّة في زهو تواصل سعيها التعبيريّ بالرمز تارةً،وفي الإشارة والتلويح الضمني في تآرات أخرى،بعد أن أستطاعت بِمدّ تلك الرؤيّة وجعلها تنمو من داخل بنيّة العمل الفني،وفي أن تشعّ بوهجها إلى خارج حدود التلّقي والتأويل التقليدى.

توافدات مساعي(سميرة)وتعمقّت مساراتها في لوامع معرضها الثاني على قاعة بغداد للفنون/1988ذلك الذي أنضوى تحت عنوان(الفردوس المفقود)،تلاه معرضِ آخر في الكويت /1989،فضلاً عن مشاركات جماعية في عديد من الدول  العربيّةالعالمية،بما يتلاقى ومفهوم أومصطلح (الفن المعاصر)الذي تبنّت فيه هذه المرأة-الفناّنة الحديديّة والحريريّة-معاً-،النادرة والإستثنائية في محافل تأريخ الفن التشكيلي النسّوي،أواصر تعميد تجربتها والدفع بها من خلال توّهج وتنوّع قدرات تجاوزها للحدود التقليدية في مجال وخواص الرسم،فهي تنظر بعين فاحصة وروح مغامرة إلى ما هو أبعد من مديات فنونه المألوفة،وقد تسنى لها أن ترافق العديد من الوفود الفنيّة والإبداعيّة في الكثير من الملتقيات والبينالات خارج العراق،وفي أن تكون سكرتير رابطة نقّاد الفن في العراق لمدة 11عاماً)متواصلة والتي كان يرأسها الراحل الكبير(جبرا أبراهيم جبرا)،ثم عضو في الرابطة العالميّة لنقّاد الفن (الأيكا)،والرابطة العالميّة للفنون التشكيليّة(أياب)،وقبلها سكرتيرة الإتحاد العام للفنانيين التشكيليين العراب منذ تأسيسه/1974،نحجت في أن تؤرخّ لتجربتها وإمتدادات فلسفتها من خلال عدة معارض أبرزها المعرض الشخصيّ المعنوّن ب(الفردوس المستعاد)في حمامات/تونس2002 وفي المعرض مشترك للفنانات العراقيات الذي أقامته منظمة الأمم المتحدة(UNDP) بعنوان(الأمل والإبداع)ومعرض مشترك مع الفنان(شدّاد عبدالقهار)في قاعة بغداد للفنون في نفس العام.

الرسم غاية ووسيلة

لا أظنُ لسواند هذا الإستهلال أن تكتمل بنود ونبل نواياه ومتون حقائقه دون الحفر أكثر وأعمق غرساً في كشف طبيعة الأرضيات الصعبة والصلدة التي وقفت وسارت على جمراتها(سميرة عبدالوهاب)وهي تتلوى عناداًوصبراً في تجاوز توالي مِحَنِها وتحديّات قساوة ظروفها وتكرار حالات فقداناتها القاسية كأم رؤوم لفلذات كبدها(ولديها)في فترات متقاربة جداً،وهي لم تزل تنهل من عزّ وأوجّ شعلة توّهجها الفني،وتوسيع دوائر مشاريعها وتنوّع إهتماماتها الفنيّة والإنسانيّة حيال،وفي تحفيز كل مكامن الأناقة والجمال الروحي والحقيقي الذي يلّف كيانها كسيّدة مجتمع فريدة ومُضّحية ومُغدقة في حبّها لكل من حولها،فقد أكملت دراستها الأكاديميّة  للعلوم والفنون على مدى فعلٍ عملي ومتوازن،مال في نهاية الأمر نحو إغراءات الرسم ومراميه بعد أن وجدت فيه ضالتها  وتحفيزات مخيلتها وإسعاف إلتياعاتها ومقاومة أحزانها وتواكبات حنينها الطاغي للفن كنسقٍ حياتي وحضاري،كان قد أنعكس-كُل ذلك- في مرايا وعيها ،ودواخل وثنايا لوحاتها وحوافل تجربتها في تمجيد الذات الإنسانيّة على أعلى قدرٍ من السمو والرفعة،حتى في أشدّ حالات جرأتها في التعبير عمّا يخالج عقل وقلب وجسد المرأة التي تصطف إلى جانبها(سميرة عبدالوهاب).

سبق لهذه الفنانة أن كُلفت بإدارة(جاليري كونست مكازين في مدينة (كاترينا-هولم)في السويد/2008-حيث تقيم الآن- ولمدة عام واحد،كما سبق وأن أسست صالون بغداد الثقافي -عمان/ 2005ليمثل هذا الصالون المهيب إمتداداً لصالونها الشهير بأسم (صالون بغداد للثقافة والنقد والفن) في العام/ 1998 في أحدى القاعات الخارجيّة المحيطة والتابعة لفندق فلسطين (ميريديان)تلك القاعة التي جعلت منها(سميرة)تحفة فنيّة ونفحةً حضاريّة متميزة،لكن شاء لها أن تتعرّض للسرقة والعبث والتخريب بتجاوزات متعمّدٍ حمقاء بعد عام إحتلال العراق في نيسان/2003،وقبل ذلك التأريخ بست سنوات(أي في العام/1993) كانت  هذه الفنانة الكبيرة قد أسست لقاعة بأسم بغداد للفنون/شارع حيفا.

تراجيديا اللوّن

ولعل جوانب ومآثر كثيرة وكبيرةُ سعى لتلخّيصها ذلك المُجلّد الكبير الصادر عن دار الأديب للصحافة والنشر في العاصمة الأردنيّة-عَمان/2011 بعنوان (تراجيديا اللوّن)الذي قدّم له الفنان التشكيلي والناقد الأكاديمي(د. بلاسم محمد)،بكل ما حَفل فيه من صورٍ لمعادلات لوّنيّة وتخاطرات روحيّة ومقاصد معرفيّة وإستشعارات حوت خواص وتحليات تجاربها وتآخيات أحزانها في رسم متواليات صدقٍ وسِمات إنتباه وذكاءٍ يقظّ،شكّل قوّساً ذهبيّاً أستطاعت من خلاله أن تُمرّر لمُجمل تطلعات أحلامها وتبديد هواجسها ونَحِر ظنونها،بعد أن تحوّل الرسم لديها من مجرد هواية في تأكيدِ ذاتٍ لشابةٍ فائقة الجمال والأنوثة في بدء إكتشافها لذة ذلك الدفء العاطفي،إلى أمثولةِ عنوانٍ بارزٍ لمواقف إنسانيّة نبيلة زهت تَشعّ بالكثير من العناوين وفي إجتراح العديد من الأنهر الفرعيّة التي أضحت تصب في المنبع الأساس لِبحَرأماني (سميرة)وإستناراتها المستمرة في الحياة الثقافيّة،وفي تطوير تجربتها،على منوال توالي سنواتها وعمق رؤيتها للأشياء،وفي أن تضيء أين ما حلّت … وأين ما تكون،ويكفي أن نتوقف عند ضفاف مغامرتها الأنسانيّة-الفنيّة السّباقة والوحيدة في العراق عبر تبنّيها وإقامتها لمهرجان الجنون في العام/2000 الذي أستوعبت فيه نتاجات المرضى النفسانييّن وقامت بزيارة مستشفى الأمراض العقليّة،لتشيع بوجوها الآسر جذوة الأمل المفقود والآفل في نفوس هؤلاء الكائنات المحرومة من أبسط لوازم الإهتمام،كما وقامت بإقتناء وشراء مجموعة من الأعمال الفنيّة الخاصة بهؤلأء المرضى الموهوبين.

سعادات دائمة ومؤجلة

تجدُ الفنّانة لذة جدوى،ومتعة سلوى في غَمرة التعبير عن مَجسات هواجِسها ورهافة أحاسيسها ومُشتهيات مشاعرها وخَلجات عواطفِها على نحوِ ومنحى ما يعتمل ويغلي في عمق دواخلها من مواقف وأشجان ذكريات،سواء أكانت على شكل جحافل أوجاعٍ أم أسراب مسرات وأفراح خفيّة،زحفت تتوافد من مخزون ما ترسّب في قيعان لاشعورها النفسي والعاطفي،قبل أن تتحوّل محتويات ذلك المخزون الوعي الى إستثارات لغة بوحٍ تتصاعد مناسيبها وفق ما تمليه حواراتها(ديالوج)الداخليّة،لتصطفي منها ما يلائم ونوازع أسلوبها التعبيري والرمزي مشفوعة بجرأة إختزال مُبتكر يفضي صوب تداخلات ضمنية محسوبة وواعية ومُوائِمة لطبيعة وطريقة تفكيرها،في بناء وتفكيك مُتقن لثنايا تلك الأحلام والتطلعات التي تنشدها-بالتالي-اللوحة الغارقة بمساحات من ضوءٍ باهرٍ حَفل يُناشد شبح العتمة بأن تضيء هي الأخرى،ولكن بالطريقة التي تقترحها(سميرة)وتُباغتنا بها،فالضوء والظلمة أو العتمة في صراعٍ درامي متنامٍ،يُباهي لعبة شدّ المُشاهد لأعمالها بإغراءات بعض الغموض المقصود،وبما يزيد من حجم  أثر وقدرة التأويل،نسقاً وإعتماداً على أقل ما يمكن من الالوّان التي تحاكينا بها أناشيد لوحاتها،لتثير فينا – مجدداً-شهية النظر إلى جَمالٍ غامضٍ وجذّاب،جَمالٌ خاص وخالص في مِلاكات أعمال زاهدة تشي برموز ومفردات كونيّة وأسطورية ذات أثرٍ ووثوبٍ حداثوي،متعاصروتقنيات لصق(كولاج)بالأضافة لتخريجات آنية-عفويّة تنهال بصدق التماثل ما بين روحها وعقلها وقلبها،وما بين قيمة وعمق عملها الممهور بأسمها،ولعل محافل خوضها لأعاصيلة مال(الكَرافيك)في مشغل الفنان(سلام عُمر) ببغداد في العام/2005 تُعد واحدة من أبرع المغامرات التكميليّة في ترصين وتعميق تجربتها بهذا المجال التقني والفني الصعب،والتي أنتجت خلالها مجموعة هائلة من فيوضات وعيها وسعة ذائقتها،وإنفتاح رؤيتها نحو عوالم وفضاءات مُتقدمة من حيث الوضوح والوثوق القصد.

في نهاية مطاف ثمة تقييم عام لتجربتها،والتي يمكننا أن نستشعر ونحن على ضفاف ذلك المسعى، ونحن نقف عند عبارة الروائي الفرنسي(ستندال) التي يقول فيها(الجَمال…هو وعدٌ بالسعادة) ،وبما يوازي فكرة الحظّ بمنح الجَمال للإنسان من أجل ضمان إسعاده،في وقت يدلو به الكاتب المسرحيّ(جان أنوي) بدلوه قائلاً؛(الجمال..لا يُمنح للمرءِ إلى الأبد!!)،نسوق  كل ذلك سعياً وعرفانا بمدى صبر وتَمّسُّك(سميرة عبد الوهاب)بجوهر هاتيّن المقولتيّن للحدّ الذي يوصل إلى اليقين الموضوعي والواقعي ،في مجمل مُتممات موقف وتطلعات هذه الفنّانة من الفنّ والحياة عبر شواخص ما يخص ويميّز  صدق وعمق تجربتها الحافلة بالتواصل والحضور  والاصرار الأثير،وبما جعل منها تجربة واضحة،راسخة وحقيقية في مِلاك المشهد التشكيلي العراقي، على وجه خاص،والعربي على وجه العموم.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours