نمتار / عبد الحسين شعبان
تجمع الأستاذة الدكتورة ابتسام إسماعيل قادر في شخصها بين الأكاديمية والضوابط العلمية من جهة، وبين المثقفة المنفتحة على الآداب والفنون من جهة أخرى، ففي الأولى كونها تحمل شهادة دكتوراه في الإعلام ومارست التدريس والإشراف على أطروحات لطلبة الدراسات العليا لسنوات، وفي الثانية تبتعد عن النزعة الجافة التي يقع في أسرها قسم كبير من الأكاديميين، ولكنها لا تتحللّ من المعايير الأكاديمية الضرورية والدقّة العلمية، التي لا يُعيرها الاهتمام الكافي قسم غير قليل من المثقفين لصرامتها أحيانًا أو لعدم قدرتهم على الامتثال لتعاليمها في أحيان أخرى.
“
ميزة ابتسام إسماعيل قادر أنها استطاعت أن تعاشق بمهارة بين الدقّة الأكاديمية والبحث العلمي الرصين، وبين الثقافة ودروس الحياة وما تزخر به من تنوّع وتعدّدية وفرادة أحيانًا. ولذلك تراها تتصرّف في الوسط الأكاديمي كمثقفة، وفي الوسط الثقافي كأكاديمية، محاولةً التوازن والاعتدال وهي تعتمر القبعتين الأكاديمية والثقافية في هارموني له سمة خاصة، حيث يكون بحثها الأكاديمي مطعّمًا ثقافيًا ومنفتحًا على حقول أخرى ذات أبعاد فلسفية، وبحثها الثقافي لا يهمل الأكاديمية أو يتجاوزها، وحرصت أن يصب الفرعان في نسقية منسجمة، ليكون العمل الأكاديمي أريحيًا وذا فسحة ثقافية ومعرفية طريّة وممتعة ومفيدة في الآن.
“
كما تجمع ابتسام بين الأبحاث الفكرية والنظرية والتطبيقات العملانية والممارساتية التي يتطلّبها الواقع، ولذلك فهي باحثة وفي الوقت نفسه ناشطة في إطار المجتمع المدني، وقد احتلّت مواقعًا مهمةً في الحقلين، فإضافة إلى كونها عميدة كلية الإعلام، فهي رئيسة لمهرجان غلاويش الثقافي، وبهذا اكتسبت خبرة في المجالين أهّلتها لتكون امرأة ريادية في الجانبين العلمي والثقافي المدني.
أستطيع القول إنه يوجد أكاديميون كبار، إلّا أنهم تقوقعوا في مكاتبهم وفي قاعات الدرس، وكانوا في غربة عن الواقع أحيانًا، في حين أن ابتسام، وهي أكاديمية متميّزة ولها مساهمات فكرية وعلمية عديدة، تعدّ ميدانية، إذْ تنزل إلى الساحات وتحضر الفاعليات والأنشطة الثقافية وتنظمها وتديرها بجدارة كبيرة، وشخصيًا حضرت أكثر من مناسبة كان لها الدور الأكبر فيها، ووجدتها بقوة شخصيتها ورقتها في الآن واحترامها للآخر، قادرة على كسب احترام الجميع، الذين بدورهم يقدّرون مؤهلاتها وقدراتها القيادية وكفاءتها العلمية.
“
وبقدر اعتزازها بكرديّتها وهويّتها الخاصة، فهي تحترم الهويّات الأخرى، وتشعر بأهمية الحوار وضرورته بما يخصّ الهويّة وأركانها ومواصفاتها، والتعايش بين الهويّات والاعتراف المتبادل بحقوقها، وخصوصًا حقوق المواطنة المتساوية والمتكافئة، ولذلك كانت مبادرة الحوار العربي – الكردي ومناظرة السليمانية (2021)، التي نظّمها مركز غلاويش، إضافة مهمة على هذا الصعيد واستمرارية لجهد عقود من العمل.
وقبل ذلك نظّمت مؤتمرًا مهمًا بعنوان “مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا” (2020)، شارك فيه العديد من الباحثين العرب والكرد، ويكاد يكون الأول من نوعه، ولعلّ المداخلة الرئيسية التي قدّمتها في هذا المؤتمر شكّلت أحد فصول كتابي ” مظفر النواب: رحلة البنفسج“، دار النهار، بيروت، 2023.
وتجدر الإشارة أنه كان لي شرف تنظيم أول حوار عربي – كردي في العام 1992 بدعوة 50 مثقفًا وباحثًا وممارسًا عربيًا وكرديًا، نصفهم من العرب (من عدد من الأقطار العربية) ونصفهم الآخر من الكرد. وكان تظاهرةً حقيقيةً للأخوّة العربية – الكردية ولتأكيد حق تقرير المصير، وعلى أساسه تمّ تنظيم العديد من الفاعليات والأنشطة بما فيها حوار مثقفي الأمم الأربعة (ترك، فرس، كرد وعرب).
ابتسام إسماعيل قادر كاتبة مرموقة أيضًا لها عدّة مؤلفات، فضلًا عن ذلك إنها إنسانة متواضعة وصديقة مخلصة محبة للخير وداعية للسلام والتسامح والمساواة والعدالة. وبقدر دفاعها عن حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل فهي عملت وتعمل من أجل تحرير المجتمع ككل ليسير في طريق التحرّر والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وفي الختام يُقال إن لكل شخص من اسمه نصيب، فلإبتسام ابتسامة ساحرة ذات مدلول إنساني، وبقدر ما توحي بالجمال والثقة فإنها في الوقت نفسه تعكس جمال الروح وسمو الأخلاق، وهو ما يعبّر عنه صوتها المتميّز ونبرتها الخفيضة، ولعلّها تسعى للوقوف على ذات الأرضية التي يقف عليها شيخنا الجليل جلال الدين الرومي الذي يخاطب نفسه والآخر “أخفض صوتك فالزهر ينبته المطر لا الرعد”، ولعمري ذلك معيار التواضع والواقعية العقلانية في فهم الأنا وعلاقتها بالآخر، فمن خلال ذلك فهم الكون بكل ما فيه من تنوّع وتمايز وحساسية واختلاف وانسجام.


+ There are no comments
Add yours