نمتار / اكرم توفيق
في قصيدته (العالم.. يأكل نفسه) لا يقدّم الشاعر حسن عبد الحميد توصيفاً عابراً لواقع مأزوم بل يشيّد بنية شعرية كثيفة تُحاكي عالماً بلغ ذروة اختلاله حتى غدا الافتراس فيه فعلاً ذاتياً .. يأكل ذاته بذاته. العنوان وحده يُعلن منذ البدء عن رؤية كابوسية مكتملة ليس ثمة عدو خارجي بل إن العطب كامن في جوهر هذا العالم في أنظمته وقيمه وتمثلاته.
“

تبدأ القصيدة بوهم بحجم السراب وهي افتتاحية تؤسس لحقل دلالي قوامه الخداع والانكشاف. الوهم هنا ليس تفصيلاً بل هو البنية التي يقوم عليها هذا العالم.
ويُعمّق الشاعر هذا الإحساس حين يقرن الوهم بولعٍ كثيرٍ يغطي ركام هذا السكون المريب.. حيث تتجاور مفردات الحركة (الولع) مع السكون (المريب) في مفارقة دلالية توحي بأن ما يبدو حراكاً ليس سوى قشرة تخفي عطالة عميقة. إننا بإزاء عالم يتحرك ظاهرياً لكنه في جوهره متكلّس.. مأزوم ومشلول أخلاقياً
تتقدّم القصيدة نحو بناء مشهد كوني متشظٍ على أعتاب عالم موحش.. من بقايا ما تبقى من ضمير الكون. هنا يستثمر الشاعر تقنية التراكم (بقايا/ما تبقى) ليؤكد حالة الاستنزاف الكلي حيث لم يعد الضمير سوى أثرٍ بعد عين.
هذا التناقص اللغوي يعكس تناقصاً قيمياً ويُحيل إلى عالم ما بعد الانهيار لا قبله.
في هذا السياق تلعب الأسئلة دوراً محورياً ..أيشبهنا الزمان…؟ أم أن في الأمر ما عاد يُغري السنابل…؟. هذه الاستفهامات ليست بحثاً عن إجابة بل هي آلية تفكيك للزمن نفسه. فالسؤال الأول يُشكّك في العلاقة بين الإنسان وزمنه.. هل الزمن مرآتنا أم نحن انحرافه؟ بينما ينقل السؤال الثاني الأزمة إلى الطبيعة حيث تفقد (السنابل) بوصفها رمز الخصب والاستمرارية .. قدرتها على مقاومة (لغة الاصفرار). هنا تتحول الطبيعة من حليف للإنسان إلى ضحية مشتركة ما يعمّق الإحساس بشمولية الخراب.
تبلغ القصيدة ذروتها التصويرية في مشهد (فم شره يقضم قوت الأرض) وهي صورة مباشرة لكنها مُحمّلة بطاقة رمزية عالية.
الفم هنا ليس فرداً بل منظومة .. بنية اقتصادية/سياسية عمياء (لا يبصر غير آثام ما تركت رؤوس أهوالهم). يتعزّز هذا البعد عبر مفردات مثل (شركاتهم).. (البنوك).. (العوائد) (الفوائد) (الضرائب) .. وهي مفردات تُدخل النص في حقل الاقتصاد السياسي لتُحوّل القصيدة من تأمل وجودي إلى خطاب احتجاجي واضح ضد آليات الاستغلال الحديثة.
ولا يكتفي الشاعر برصد البنية الجائرة بل يتتبّع أثرها الإنساني (شحوب جيوب الفقراء) (قسائم حزن النساء).. (مرح الطفولة) الذي يُصاب بالضيم. هنا ينتقل النص من الكلّي إلى الجزئي من المجرد إلى الملموس ليُثبت أن هذا (العالم الذي يأكل نفسه) لا يفعل ذلك في الفراغ بل على حساب الفئات الأضعف.
إن الجوع ليس استعارة فقط بل واقع اجتماعي يتغذى عليه نظام كامل.
من الناحية البلاغية يعتمد النص على اقتصاد لغوي مشحون وتكثيف دلالي قائم على التراكم والتضاد. كما أن الإيقاع الداخلي للقصيدة يتشكل من خلال التقطيع والتدوير ما يعكس حالة التوتر والتشظي التي يعيشها العالم الموصوف.
حتى اللغة تميل أحياناً إلى الانكسار كما في التقطيعات المتتابعة وكأن الشكل ذاته يُحاكي المضمون..
أما الخاتمة.. (بئسك من عالم بخس ..نحس .. نزق .. وضحل) فهي ليست مجرد حكم قيمي بل ذروة انفعالية تُكثّف المسار كله. التراكم النعتي هنا (بخس/نحس/نزق/ضحل) يُغلق النص على إدانة صريحة ويعيدنا إلى العنوان.. عالم فقد عمقه .. فصار يلتهم نفسه لأنه عاجز عن إنتاج معنى خارج هذا الافتراس.
يمكن القول إن حسن عبد الحميد يكتب قصيدة تُزاوج بين الحسّ الوجودي والنقد الاجتماعي مستفيداً من طاقة الصورة الشعرية ومن مرونة اللغة العربية في توليد المعاني. إنها قصيدة تُحمّل القارئ مسؤولية التأمل لا بوصفه شاهداً محايداً بل طرفاً ضمن هذا العالم المأزوم.
فالعالم لا يأكل نفسه فقط بل يدعونا.. بوعي أو بدونه .. إلى المشاركة في هذا الفعل أو على الأقل إلى الصمت حياله.
بهذا المعنى لا تقف القصيدة عند حدود التشخيص بل تفتح أفقاً نقدياً يدفع نحو مساءلة البنى العميقة التي أوصلت العالم إلى هذه الحالة.
إنها كتابة تقاوم التواطؤ وتفضح الوهم وتضعنا أمام حقيقة مُرّة.. أن الخراب حين يصبح نظاماً يغدو الإصلاح فعلاً شاقاً لكنه ليس مستحيلاً.


+ There are no comments
Add yours