لا تبدأ التفرقة بين الإناث والذكور عند أبواب المدرسة أو في سوق العمل، بل تُزرع باكرًا داخل البيت، في المساحة التي يُفترض أن تكون الأكثر أمانًا وعدلًا. هناك، في تفاصيل الحياة اليومية، تتشكّل أولى صور التحيّز، وتُرسَّخ مفاهيم غير متكافئة تلازم الأبناء طوال حياتهم.
في كثير من العائلات، يُربّى الذكر على الامتياز، وتُربّى الأنثى على التحمل. يُغفر للأول ما لا يُغفر للثانية، وتُبرَّر أخطاؤه باعتبارها “طبيعية”، بينما تُراقَب تصرفات الفتاة بدقة مفرطة، وكأنها مسؤولة عن سمعة العائلة بأكملها. هذا التفاوت لا يُعلن صراحة في معظم الأحيان، لكنه يظهر في توزيع المسؤوليات، وفي حرية الحركة، وفي طريقة الحديث، وحتى في الأحلام المسموح بها لكل طرف.
تُمنح الفتاة واجبات أكثر داخل المنزل، ويُطلب منها النضج المبكر، وضبط المشاعر، والتنازل المستمر، بينما يُسمح للذكر بالتمرد، والتجربة، والغياب عن الالتزامات العائلية دون مساءلة حقيقية. ومع مرور الوقت، تنشأ لدى الفتاة قناعة خفية بأنها أقل استحقاقًا للدعم، وأكثر وجوبًا للتضحية، في حين يكبر الذكر وهو يرى أن الرعاية حقٌّ مكتسب لا يُسأل عنه.
خطورة هذه التفرقة لا تكمن فقط في الظلم الآني، بل في آثارها النفسية العميقة. فالإناث اللواتي نشأن في بيئات تفضيلية يعانين لاحقًا من هشاشة الثقة بالنفس، والشعور الدائم بالذنب، والخوف من التعبير عن الرأي أو المطالبة بالحقوق. أما الذكور، فقد يكبرون وهم عاجزون عن تحمّل المسؤولية، أو عن رؤية النساء كشريكات متساويات، لأنهم لم يُدرَّبوا يومًا على مفهوم العدالة داخل أقرب دائرة اجتماعية لهم.
غالبًا ما تُبرَّر هذه التفرقة بموروثات ثقافية أو دينية، بينما الحقيقة أن معظم هذه الممارسات لا تستند إلى جوهر القيم، بل إلى تفسيرات إجتماعية قديمة أعادت إنتاج الظلم باسم الحماية أو الخوف. فالعدل داخل العائلة لا يعني تشابه الأدوار بقدر ما يعني تكافؤ القيمة الإنسانية، واحترام الفروق دون تحويلها إلى درجات تفاضل.
إن العائلة العادلة لا تصنع أبناءً متشابهين، بل أفرادًا متوازنين. أفرادًا يشعرون أن الحب غير مشروط، وأن الدعم لا يُمنح انتقائيًا. وعندما يتحقق هذا العدل في البيت، ينعكس تلقائيًا على المجتمع، لأن الإنسان الذي ينشأ على الإنصاف لا يحتاج لاحقًا إلى أن يتعلّمه من جديد.
إن إنهاء التفرقة بين الإناث والذكور داخل العائلة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة إنسانية وتربوية. فالمجتمع الذي يسعى إلى العدالة لا يمكنه أن يتغاضى عن أول مظاهر الظلم التي تبدأ من داخل المنزل، في صمت، وتكبر مع الأجيال.
+ There are no comments
Add yours