قفْ تمهَّلْ .. فهل من حديثٍ مَعَكْ/واستدرْ لي .. فلا بدّ أن نلتقي/في مضارب حزني../لتسمعني اسمعَكْ/بي من الشجَن المنكفي../لو يفيض على الكون ما لّمهُ/دفلةُ القلب في القلب فاضتْ أسى/لي حديثٌ طويلٌ/يفيض به الوهج يسري/كيف لي الآن أن أُطلِعك/والذي بيننا جزر الغيب/ضمّتْ بنور الندى مطلعك.
كلمات اللوعة هذه من شعر الطفلة الشاعرة آمال الزهاوي التي ولدت في بغداد بتاريخ 1 -7- عام 1943.وهي من القصائد التي تعتز بها، وصدرت ضمن ديوانها “الشتات”عام 1996. عاشت الزهاوي مدللة في كنف عائلة أرستقراطية وفرت لها كل شيء.. وهي ابنة عبد القادر بن صالح بن محمد فيضي البابان الخالدي وعمها الشاعر الشهير” جميل صدقي الزهاوي.
كانت آمال مدللة العائلة هادئة جدا، ولاتلعب مع الاطفال فقط تحكي قصصاً لهم ولم يعرف عنها انها كرهت أحداْ الى يوم وفاتها في 11 شباط 2015.
نشأت في منطقة الوزيرية، واكملت المتوسطة في مدرسة الرشيد والاعدادية في ثانوية الاعظمية. كانت تدخل غرفتها لتقرأ فقط وكانت مهووسة ومتاثرة جدا بالمتنبي والمعري وديستوفيسكي والادب الروسي عموماْ. كتبت أول قصيدة لها بعمر 12 سنة، لكنها للأسف لم تحتفظ بها.
تزوجت السياسي والدبلوماسي “عداي النجم” وعاشت فترة طويلة معه متنقلة بحكم عمله بين دول اوربا ودول عربية وحين عادا الى بغداد اعتزل زوجها السياسة وافتتحا سوية دار نشرعشتار للطباعة والنشر والتوزيع وقد طبعت الدار لها الكثير من دواوينها الشعرية، وكذلك الكثير من مؤلفات الأدباء العراقيين، لاسيما الشباب منهم اذ كانت تشجعهم كثيرا. وتوفي زوجها في عام 1992 وقد رثته بقصيدة مؤثرة ضمن قصائد ديوان “الشتات” تقول فيها:
هذا الفراغ المستطيل/هذي الرؤى نشرتْ جناحيها على الدنيا/وما أبْقَتْ سوى مدّ الرمال/(عداي) يا نجماً توارى غفلة عنّا/نجمٌ طفا… ليلٌ تمطّى واستطالْ/من أين أمسكُ هجمةَ الأشجانْ/وأقول للرمح الذي يمضي على عجَلٍ تعالْ/يا أيّها الحلمُ المحالْ.
تخرجت من كلية الآداب قسم اللغة العربية، وعملت في الصحافة والتدريس و بدأت بنظم الشعر العمودي إلاّ أنّها تحوّلت إلى الشعر الحرّ، وتأثّرت بكلمات جبران خليل جبران، وجبرا إبراهيم جبرا، و جدّها الشيخ محمد فيضي الذي كان شاعراً ايضاً. يصنفها بعض النقاد ومؤرشفي ألفترات ألادبية من”جيل مابعد الرواد ” الجيل الستيني ,اختطت لنفسها مبكرآ هوية وبصمة خاصة بها ، أعتمدت على الأسطورة في بناء قصائدها الاولى .
تأثرت كثيراْ بصدمة الحرب الامريكية على بلدها وماتبع هذه الحرب من دمار وفاجعة بحجم الوطن، لذا جاءت قصيدتها ” اْبار النقمة ” تجسيداً حياً لما تشعر به من وجع انساني بات يتحول من الحاد الى المزمن .
من اصدقائها المقربين من الشعراء العرب، الراحلين”محمود درويش”و”امل دنقل”و”صلاح جاهين”و”احمد فؤاد نجم”. ومن العراقيين، كان الشاعران”جواد الحطاب”و”عبدالرزاق الربيعي”من المقربين اليها كثيرا.
بعد فترة من عودتها الى بغداد عام 2002 اصيبت بجلطة ادت الى شلل في معظم اقسام جسمها.فاعتزلت الحياة وتركت اصدقاءها،لانها لم تكن تريد ان يراها احد من الاصدقاء وهي في حالة الشلل وظلت معتكفة الى حين وفاتها في عام 2015.
رثت صديقاتها الفنانة التشكيلية ” ليلى العطار” التي ماتت اثر سقوط صاروخ اميركي عام 1996 على دارها تقول فيها :
من أي زاويةٍ يُستنفر الارقُ/يا ليل بغداد/يسترخي به القلقُ/يا دجلةٌ تحضن الغافين ساهرةً/فما استطالت مرايا/وارتمى الشّفقُ.
من دواوينها: التداعيات، يقول قس بن ساعدة، الفدائي والوحش، الطارقون بحار الموت، اخوة يوسف، الشتات واْبار النقمة. وقد صدر لها ديوان بعد رحيلها بعدة سنوات بعنوان” نجمة سومرية” عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر تضمن 20 قصيدة، وأهدت الديوان الى: “الشاعر السومري المجهول، الذي كتب مرثية أور بواقعية الفن الجميل”
وقال عنها الناقد” فاضل ثامر”: تعتبر من الشاعرات العراقيات المتميزات اللاتي برزن في جيل الستينيات وأغنت المكتبة الشعرية العراقية”، معتبراً انها “من الأسماء القلائل التي تصدرت المشهد الشعري في العراق بعد نازك الملائكة”.
وأوضح ثامر: عانت الشاعرة خلال سنواتها الأخيرة من صعوبات مالية وصحية بعد أن اصابها الشلل. ولم تجد من يقف لجانبها وكانت تشكو الوحدة والعزلة وبعض الاحيان جحود الاخرين. وكان اتحاد الأدباء قدم في وقت سابق الى وزارة الثقافة لائحة بأربعة ادباء يعانون امراضاْ خطرة جداْ من بينهم اسم الشاعرة، لغرض ارسالهم للخارج لغرض العلاج في أسرع وقت ممكن، لكن الاتحاد لم يتلق أي رد حقيقي من الوزارة الى حد وفاتها
من اْرائها في الشعر والحياة : الشعر هو مرآة الحياة للجيل الحالي والأجيال اللاحقة. وديوانها “اْبار النقمة” كان تصويراً للاحتلال وما حدث فيه وما تبعه وان الشحنة المتألقة النابضة هي التي تحلق بالشعر والشعراء العظام حيث يتحد الزمان والمكان معاْ. و الحركة الشعرية زاخرة بالمبدعين الكبار، لكن المرحلة التي نعيشها مليئة بالضجيج الذي يؤثر على حالة السمع عندنا . وان الاحساس بالانكسار في الواقع من أقسى الأحاسيس بالنسبة للشاعر، حيث يدخل في شبكة من الانكسارات المتوالية في اللغة والمعنى، وهنا تبدا مهمة الشاعر في تصويرهذا الواقع.
وتقول ايضاً في الشعر والشعراء ، الشعر حركة متواصلة مستديرة، والشاعر يسلط الضوء عليها بمجهره ويلتقط ما شاء له ان يلتقط لتصوير الحالة المقفلة التي وصلت اليها الأمور.
+ There are no comments
Add yours