افجعتنا الانباء بموت الاديب الكبير ناجح المعموري رئيس اتحاد الادباء الاسبق,وهو رحيل محزن جدا لي انا بالذات لمواقفه النبيلة اتجاهي واتجاه كتابي الموسوعي بورتريه لذاكرة بيضاء الذي صدرت منها ثلاثة اجزاء والرابع على الابواب.وكان المعموري يحتل فصلا كاملا من الكتاب.واتذكر في مقال له بجريدة الصباح اكد فيه اولويتي بتسجيل سيرة الادباء في الموسوعة مع التركيز على الطفولة وفترة المدرسة التي لم تتطرق اليها اي موسوعة سابقة قبلي.واذكر ايضا ان مجلة الجديد الصادرة في لندن اخذت بعض المواقف ايام الطفولة لبعض الادباء وهنا كتب المعموري يؤكد سعة تناولي لحياة طفولة الادباء بشكل واسع ومركز, وكان ذلك قبل نشر الجزء الاول من الكتاب في عام 2014 حين كنت اكتبها زاوية اسبوعية في جريدة الصباح, في حين صدر الكتاب عام 2017 اما مجلة الجديد فهي نشرت موضوعها عن طفولة الادباء في عام 2016 اي انا سبقتها بعامين تقريبا .وهنا نص المقال عن الراحل ناجح المعموري كما نشر في كتابي والرحمة والمغفرة لهذا الانسان النبيل.
ألتورط في الاسطورة
أتذْكر يوم الحجيج الى أور؟
كان قلبك يرتل بآيات لم اسمع أحلى من جرسها
وجبينك يتفصد فرحاً
وأنت تصعد الزقورة عالياً باتجاه السماء وتقول
(من لا يرى السماء من أعلى الزقورة ليسمع همس الشمس مبللاً قمرها ونجومها لم يعرف العالم السفلي)
وتسأل: كيف تنام السماء والعراق بحر لا ينضب من الشهداء
كان الغروب صافياً وكنا نرى الشمس
تمسح بيديها الناعستين أرواح الشهداء المتفحمة
أكنت تعني بأن العالم السفلي سماء مقلوبة
ينوح تحت جحيمها الآلهة والملائكة والعراقيون
لكل بلاد معلم ورموز
ورمزك لالاتٌ تنوح وكوزُ
ورمزك أن تبقى غريباً مشرداً
وتحتك من خير العراق كنوزُ
هذه القصيدة كتبها شاعر الحلة المتميز موفق محمد عن صديق منطقته وزميل رحلته. وهو الطفل الذي سنتحدث عن رحلته مع الاسطورة والخيال اللتين تفرغ لهما تماما كتابة وتاليفا وبحثا ونشرا في الصحف والكتب.
ولدالطفل في قرية عنانة النائمة على كتف شط الحلة الأيمن عام 1943م كما اخبره والده ، لكن دفتر الأحوال سجل تاريخ 1944 . ومازل يتذكر ليالي الشتاء المثيرة للخوف والذعر بسبب الرعد وهطول الأمطار ، وفيضان الغرفة التي ينام فيها ، الشتاء مثير للقلق في لحظة غروب الشمس ، لان ليله مقترن بغزوات ” الحرامية ” .
حياته في القرية بسيطة ، لكنه كان يلتقط حكايات من عمه الحاج علي الناصر وجدته التي أدمن معها حكايا الأمير العاشق لشابة فقيرة . كانت جدته راوية من طراز خاص ، قادرة على ابتكار البؤر السردية والامتداد بالحكاية طويلاً ، ودائماً ما كان ينام وهي تقص عليه حكاياتها . أكمل الدراسة الابتدائية في مدرسة بابل الواقعة على الجانب الأيسر لشط الحلة ، وكانت بناية مدرسته مقراً للبعثة الألمانية التنقيبية التي قادها گولد فلاي عندما اكتشف القصور الملكية في بابل .
مدرسة بابل بذرة مبكرة ومؤثرة بشكل غير واع للاهتمام بالميثولوجيا والتاريخ والآن أدرك تأثيرها الكبير ، لان المعلم في صباحات الشتاء كان يصطحبهم الى مدينة بابل الاثرية القريبة جداً من المدرسة لاستثمار درس الأشياء. وكانت المعاينة الأولى لأسد بابل والأسطورة التي أنتجتها الجماعات المتخيلة مثيرة جداً ، جعلت من المرئي الكرانيتي الضخم مجالاً أخلاقيا للجماعات وتداولته درساً اجتماعياً .
لم تكن علاقته مع الكتاب مصادفة ، هي نوع من تخطيط وضعه له المعلم الأول والأستاذ ناظم البكري ، ابن عمته ،وأخضعه لحظة قراءته وهو في الصف السادس الابتدائي ، ابتداء بالمنفلوطي .
وهكذا …. تعلم من ناظم اهتماماته بالرسم والفوتوغرافيا وما زال الى الآن يحتفظ بأرشيف انثربولوجي عن قرية عنانة منذ الأربعينات . أصدر مجموعتين قصصيتين ” أغنية في قاع ضيق” والشمس في الجهة اليسرى ” مشتركة وثلاث روايات عن وزارة الثقافة . لكنه اكتشفت لحظة حيوية في انشغالاته واعني بأنها الأسطورة .
في أواسط الثمانينات انشغل بملحمة جلجامش واستمر اهتمامه بها عشر سنوات ، قرأ كل النصوص المترجمة وتجاوزت أربعة عشر نصاً مع ما توفر له من دراسات وبحوث .
الثقافة والفكر والمعرفة زاولت تأثيرها الجوهري على النص وحققت نتائج تبدّت جلية على أنظمة الالهة والعبادات والهيمنة على العالم الأسفل ، دور الإلهة المتصارعة مثل أنانا / عشتار ، انكيدو / جلجامش ومشاركة عدد من العناصر الدينية ورموزها في هذا التحول مثل طائر الامدكود والأفعى وطائر البوم . واندهش العالم الاثاري د. نائل حنون بهذه القراءة الجديدة .
وقد احتفى الكثير من الأسماء بتجربته مثل د. نائل حنون / د. متعب مناف / علي الفواز / د. عاصم عبد الأمير / شكر حاجم / خضير الزيدي / جاسم عاصي / د. مجيد الماشطة / د. جواد الزيدي / د. قيس الجنابي / د. عامر عبد زيد / عباس عبد جاسم / د. رفقة محمد رودين / د. فائز الشرع / محمد احمد العلي . قال د. متعب مناف في مقدمته الطويلة لكتابه : الأصول المصرية لقصة يوسف التوراتي // هو واحد من ثلاثة هم فراس السوّاح ( سوريا ) السيد القمني ( مصر ) وطفلنا النابه من ( العراق ). ويطمح أن يكون رابعهم ( متعب مناف ) وبتقديري ان طفلنا النابه الأقدر والأجدر بتصدر المجموعة لأنه الأقرب الى أن يعيش الأسطورة مشاركا يتماهى مع رموزها ، يتنفس أوجاعهم ينام على فرش لذتهم يتلذذ بشوك ماضيهم يصعد منه دامياً يزيد من خفق قلبه بعد ان تلبسته الأسطورة ، لتنطلق منه حية من رماده .
وما قاله د. نائل حنون / العالم الاثاري المعروف في مقدمته لكتاب : تقشير النصي / أنانا جلجامش ” استبشرت بهذا العمل الخاص بإحدى قصص جلجامش السومرية . وكذلك قلقت خوفاً من أن يحمل النص فوق ما يحتمل من زلل لم يستطع حتى بعض مختصينا تجنبه . ولكن بعد قراءة عدد من صفحاته أخذني الفرح ، عرض الموضوع جعله شائعاً ممتعاً والبعد العلمي بقي مصاناً ، وعيد لنا أن أديبنا وفناننا يسلم مونتاج جهد مختصينا ما يتفاعل معه ويضفي عليه من إبداعه ما يجعله بهذا الإطار الجميل . الكتاب يرقي الى مستوى الإبداع في مجال تحليل النصوص الأدبية العراقية القديمة . فالعرض الشائع الذي يقدمه لحوادث الأسطورة
والتعميق في دراسة شخصياتها يمكنان القارئ من متابعة النص والاقتراب من مغزى الأحداث الموصوفة فيه .
أخيرا وهو يشعر بان الشيخوخة راكضة نحوه وعمله صعب ومعقد ، لكنه مستمر ليلاً ونهاراً ومجموع ما صدر له حتى الآن أربعة وثلاثين كتاب ولديه أكثر من عشرة كتب غير الذي يشتغل عليه الآن وهو” الجنس في مكة ” .
كان في هذه الفترة منشغلاً بتقديم محاضرات عن توصلاته الجديدة واستعان بملاحظات الأدباء والمثقفين لتعميق ما أطلق عليه ” المسكوت عنه في ملحمة جلجامش ” وتحولت الملحمة مشروعاً ثقافياً ومعرفياً استمر الى الآن واستطاع انجاز ثلاثة دراسات عنها وهي : ملحمة جلجامش والتوراة / أنانا .جلجامش وشجرة الخالوب / المسكوت عنه في ملحمة جلجامش . صدرت كلها عن دار المدى والأخير صدر قبل أشهر عن الدار في بيروت . قادته ملحمة جلجامش الى التوراة ولابد من اطلاع وتعّرف على الأساطير الإغريقية والفرعونية ، لأنهما يساعدان الباحث على الاقتراب أكثر من التوراة . والمثير في هذا الانشغال ما أنتجه من بحوث طويلة صدرت قبل مشروعه عن الملحمة ، حيث صدر له :
1.الأسطورة والتوراة / المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت .
2.موسى وأساطير الشرق / الدار الأهلية / عمان .
3.التوراة السياسي + أقنعة التوراة / صدرا عن الدار الأهلية
وتقع هذه الكتب بـ 1000 صفحة من الحجم الكبير ، لم ينشر منها صفحة واحدة ، وكأنه خائف على كشوفاتها ولازمته هذه السرية حتى اللحظة. ظلت كتبه الصادرة عن الدار الأهلية أكثر الكتب مبيعاً لفترة ليست قصيرة .
بعد عودته الى الوطن ازداد التورط بالأساطير والتوراة ، وتفرغ كلياً لمشروعه الثقافي وتكرس أكثر بعد انتقالته الى مجال ثقافي ومعرفي جديد إلا وهو مشروعه الثقافي الخاص بيوسف التوراتي ، وكان في الحقيقة مغامرة لكنه ذهب معه بعيداً واستطاع انجاز ونشر أربعة كتب عنه
في دمشق هي :
1. ملحمة جلجامش والتوراة .
2. الأصول المصرية لقصة يوسف التوراتي .
3. تأويل النص التوراتي / أسطورة نبات اللفاح وعقائد الخصب الكنعاني .
4.تأويل النص التوراتي قميص يوسف / صدر الانً في دمشق.
هذا بالإضافة الى مغامرته المبكرة والجديدة وهي الأولى في الثقافة العراقية والعربية كما تمثلها كتابه (تقشير النص ….. أنانا جلجامش وشجرة الخالوب ) حفر عميقاً في التحولات الثقافية الحاصلة على نظام الإّلهة والعقائد والطقوس وتبدّت له في ملاحقة الفصل الثاني عشر من ملحمة جلجامش وكشف التحولات والارتحالات الحاصلة في مرحلتين هما السومرية والاكدية ، بمعنى التغيرات التي تحصل على الأنظمة بسبب الظروف الموضوعية ونشر دراسة عن ” أقنعة نابو ” معنية بالتحولات الحاصلة أثناء ارتحال الإله من جغرافية الى أخرى .
هذا الطفل هو الاديب والكاتب المعروف ناجح المعموري الذي انتخب في عام 2016 رئيسا لاتحاد الادباء والكتاب في العراق.
+ There are no comments
Add yours