نمتار – بغداد – قحطان جاسم جواد
التهبت القلوب حزنًا… حين تذكّر رحيل عريان السيّد خلف، آخر وأهم شعراء العامية في العراق. وهو الشاعر الكبير الذي سقى الجمر حمرة فوق حمرتها. عريان ليس بشاعر شعبي حسب كما يصفه البعض، فهو أحد ثلاثة ألهمونا بقصائد لا تُنسى، وغيّروا وجه الشعر: هو والنواب أوّلهم والكاطع. لقد فعلوا بالشعر الشعبي كما فعل السيّاب في الشعر الحر؛ قدّموا صياغات جديدة وخرجوا عن تقاليد القصيدة التقليدية، وقدموا إسهامات قلّما ستتكرر لاحقًا.

وكانت ميتة العريان بحادث مؤسف خسارة كبيرة لن يعوّضها الزمن بشاعر آخر مثله على المدى المنظور. عريان ابن الناصرية والهور، وابن الهوسات التي جعلت ماسورات البنادق ذات رائحة مثل رائحة الشمس والطين الحري وأناشيد سومر. بدأ الكتابة في عمر 15 سنة، وازداد إبداعًا وتعمق فكرًا بعد انتمائه لحزب الكادحين كما بقية أسرته. كان ينتظر ثورة على الفقر ويناشد للوطن الخلاص، كما قوله:
هلي.. وشرّعني هواكم باب للخطوة الغريبة
وخايرتني عيونكم: ذل لو جتل
وأنه الموت التحمنّه بمايكم ساك وحجل
كانت الكلمة أو الصورة في شعره صنو الحسجة الفراتية؛ تضمر وتشير، لذا لا تندثر قصائده بالمناسبة وكأنها وثيقة. بل يمتص رحيقها أو ينقّر تينها مثل بُلبله المشهور ليغطيها بالطين بعد أن يملأها بالماء فتتخمّر، فيعود ليَثِب سطح الطين ويحتسي نبيذه المصنوع من كدّه، فيسكر حتى الثمالة. وأصبح شعره جنّة بلاده ونارها؛ شايل خوف الوطن وجسارة الأرض والماء، كما خوف الصبايا حبًا. وكما يقول:
(يخاف تموت / يا مايع ترافه / أتهيّب أمن حويك / خاف أصعب عليك / وخاف… بيدي تموت)
أصدر أوّل دواوينه الكمر والديرة، وتبعها بـ أوراق الموسم وشفاعات الوجد. وحين جاء إلى بغداد طالب بحقوق العمال في معمل المشروبات الغازية، واعتُقل غير مرّة، لكنه لم يُبطِل نضاله. فخرج بعفو خاص وكتب قصيدة ردّي ردّي التي انتشرت كما الهشيم في النار وحفظها الكثيرون. وقدّمه أبو ضاري في الإذاعة ليقرأ شعره الجميل، ومن بينها قصيدته نذر.
لم تُحفظ قصائده في قلوب الأحباب حسب، بل تلقّف الملحنون والمطربون الكثير من قصائده: عيني عيني، روحي بيده، تلولحي، بالكيف، سورة ماي، بلاية وداع.





+ There are no comments
Add yours