جرائم الكراهية

أ.د. قاسم حسين صالح

 

هل الكره حاجة نفسية كالحب؟ بمعنى، ان تكون بك حاجة لشخص تحبه فأنت أيضا” بك حاجة الى ان تجد شخصا” تكرهه. ان صح هذا التحليل فاننا جميعا بنا هاتان الحاجتان،والأختلاف بيننا ينحصر بمن هو اكثر في هذه أو تلك.

والغالب،نحن نميل الى ان نصف انفسنا اننا محبون،ولا نعترف اننا كارهون.قليلون اعترفوا بذلك بينهم الرسام الفرنسي الانطباعي رينوار الذي قال:”انا شخص بائس فيه القليل من الخير والكثير من الشر، لكنني ادرك ذلك ولا اكذب بصدده”. ومثل هذا الاعتراف الموضوعي يمثل قدرة ايجابية، تعني انك تدرك كرهك وتمتلك السيطرة على التحكم به،بعكس آخر ينكره فيتحكم به،كما يحصل لكثيرين بيننا يصفون انفسهم انهم محبون خالصون فيما هم معبئون بالكراهية، لأن لاشعورهم يعمل بآلية التكوين العكسي..أي اخفاء الانفعال الحقيقي واظهار نقيضه!

 

ان الانسان،كما الكون،قائم على ثنائية الاضداد: خير ـ شر،حب ـ كره،..لكن اخطر هذه الثنائيات في التكوين النفسي الاجتماعي للفرد هي ثنائية الـ (نحن) و الـ (هم) لأنها السبب الأقوى وراء الصراعات بين الجماعات،اذ يشكّل الكره المتبادل (داينمو) العداء في هذه الثنائية التي تفضي الى جرائم كراهية كان ابشعها،في القرن العشرين، تلك التي حدثت في يوغسلافيا بالمجازر بين الصرب والبوسنيين،فيما كان ابشعها في القرن الواحد والعشرين تلك التي ارتكبت في العراق سنوات الاحتراب (2006ـ2008)، بين مكونات شعب كانت المودّة والتزاوج والتعايش الاجتماعي هي السائدة بينها مئات السنين.

هذا يعني ان الكره كالجوع، بدائي مثله..فحين يُقدح زناده فإن نفوس الناس المغيب وعيها والمصادر عقلها تكون كما الغابة..تشتعل بنار الانتقام ولا تنفع معها وسائل الاطفاء الحضارية!. فأنت لو اخذت واحدا” بطريقة عشوائية من الجموع المرتكبة لجرائم الكراهية وحللته نفسيا” لوجدت أن الكاره يجعل من الإنتقام فكره ثابته وأسلوب حياة،ويتحول، دون ان يشعر، الى شخصية بارانويه تغمرها مشاعر السرور والفخر جراء تعاسة الآخرين الذين يكرههم والحق الأذى بهم..ودكتاتور النظام السابق أبرز من جسّدها.

ومع أن الاشخاص الذين يسيطر عليهم الكره وفكرة الانتقام، غالبا” ما يلحقون الأذى بانفسهم ايضا”، وان الكاره كمن يشرب السم بجرعات تقتله ببطء.. فإن الكارهين مدفوعين قسريا “رغما عنهم” الى أن يعملوا على خفض الحاح تسلطية الانتقام باشعال جرائم الكراهية.

 

وبصفتي متخصص بهذا الموضوع،أو هكذا أدّعي لنفسي،فان من واجبي أن أنبّه الى أن جرائم الكراهية في مجتمعنا نائمة نومة الثعلب “عين وعين”..لأننا لم نعالج أسباب الكره المتمثلة بالاحباط، واضطراب الاحساس بالأمن النفسي، والتنافس الاستحواذي على الثروات والسلطة الذي من طبيعته تنمية الحقد والحسد والسعي الى الغاء الآخر..ولأن الجدران الصلدة التي أقامها الكره بين (جماعة النحن) و(جماعة الهمّ) ما تزال قائمة..ولم تتوافر ،حتى الآن،نوايا الجماعات على هدمها!.

ومع أن دافع الكره يشتد وقت الأزمات ويحّول الانسان الى أبشع من وحش،لكنه طاريء – موقفي..فيما دافع الخير هو المتغلب في الانسان لأنه يجلب لروحه المسّرة ولموجات دماغه ايقاعها المريح ولعقله النمو والابداع..ولكن فقط حين نكون عالجنا معتقداتنا الخاطئة القائمة على ثنائية (نحن وهم ) بوصفها عود الكبريت النفسي الذي يشعل جرائم الكراهية ،وهذا ما لم تقم به مؤسساتنا السياسية والتربوية والثقافية..بل ان كثيرا من الذين بيدهم الأمور ماسكون بأصابعهم الأعواد..في وضع استعداد..لاشعال..جرائم الكراهية.

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

———————

* خص البروفيسور قاسم حسين صالح وكالة نمتار بهذا المقال لمناسبة اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours