أجهزة الوعي

كتبت/ رنده كمال أبو حسن

أحياناً… عندما لا يكون للوقائع والأحداث تفسيراً منطقيّاً (يقتنع به فكرنا) يصبح من الأسهل أن نقول مصادفة.
ربّما تكون مصادفة… ربّما لا.
منذ أيامٍ قليلة إستوقفتني عبارة لمحي الدّين بن عربي تقول : ” الزمانُ مكانٌ سائلٌ ، والمكانُ زمانٌ متجمّد”. عبارة إختصرت الكثير من العلوم، وأفضت الى تأمّلاتٍ عميقة في عملية الإحتواء، كإحتواء السائل للجامد أو الجامد للسائل، أو كإحتواء النقطة للدائرة أو الدائرة للنقطة، أو كإحتواء البذرة للشجرة أوالشجرة للبذرة، أو كإحتواء النسبي للمطلق أو المطلق للنسبي، وغيرها الكثير الكثير من الإحتواءات التي تشمل كلّ منظور وغير منظور؛ لدرجة يصبح فيها المُحتوي والمُحتوَى كياناً واحداً لا يختلفان الاّ بإختلاف درجة تذبذبهما في الكون. وقد يتوافق هذا الطرح مع ما أظهرته الدراسات التحليلية للعلوم الدينية على إختلافها ، من حيث أن الوجود هو تجلّي للطاقة الإلهيّة غير الظاهرة، وإظهار مجال تمدّدها في المادّة الظاهرة. وبالتالي فإن مفهوم الزمان والمكان يصبح من غير الموجود الاّ في حدود العالم النسبيّ المنظور، وفي حدود الفكر المادّي البشري. هذا الفكر الذي ليس باستطاعته العمل الاّ بحدود هامش معيّن، تماماً كالهامش الذي تَرى من خلاله العين ، أو تَسمع من خلاله الأذن ، وكل ما عداه، أو تجاوزه ، يُعتبر بحكم غير الموجود بالنسبة للفكر لأنه ببساطة لا يستطيع ترجمته بواسطة الحواس الخمس.

إن التسارع بوتيرة الإكتشافات والأبحاث العلمية، تفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى، مسارات جديدة من المعرفة تختلف عما كانت عليه في السابق. وتثير حفيظة الفكر الهائج الذي، لو سلّم جدلاً بوجود أبعاد غير منظورة لامتناهية، عليه أن يسأل كيف يمكن تأكيدها او الإحساس بها.

يعيش الإنسان جزءاً من الحياة وجزءاً من الواقع ، لا يختبر فيها المطلق أو مصدر الطاقة التي تحيط به، فهناك ما يزيد عن 99% من الذبذبات الكونية غير مرئيّة. لذلك إن إختبار المطلق يتطلّب من الإنسان معرفةَ ما يحيط به من طبيعةٍ للوجود ومن قوانينٍ يستند عليها. وهذه المعرفة تزوّده بذكاءٍ أكبر وإنفتاحٍ وتطوّر؛ أضف الى أن طبيعة العقل هي الإنفتاح الدائم والبحث عن المزيد. وبإنفتاح العقل على طبيعة الوجود ومصدره، بإعتباره حقلاً للوعي ومجالاً أساسياً لذكاء الطبيعة، يدرك الطبيعة الحقيقية لكل شيء، والتي تتجلّى بنفسها كتعددية وتنوّع في كل مظاهر الحياة. هذه الطبيعة لا تقتصر على البشر والأفراد، إنما تشمل الكون بأسره وكل ما هو موجود. تلك هي الذات المختفية وراء القيم المختلفة للوجود والتغيير. وتلك هي الحقيقة المطلقة، أي حقيقة الإنسان أيضاً؛ هي نفسها وعي صافي وكيان نقي، يبقى ويستمر خلال التغيير.

إن طبيعةَ الوجود هي طبيعةٌ شموليّةٌ وحاضرةٌ في كل شيء وفي الإنسان؛ وتشكّل أساسَ الأنا والعقل والحواس والجسد والروح. والإنسان لديه من الأجهزة ما يكفي ليستشعِر كلّ حركة في الكون، وهذه الأجهزة تسمى أجهزة إستشعار. وعملية الإستشعار هذه، هي عملية ميكانيكية في الجسم البشري، مرتبطة بمدى قدرة أجهزة الجسم على نقل المعلومات الى الفكر، ومرتبطة أيضاً بمدى إنفتاح وإتساع الفكر ليلحظ كلّ المتغيرات من حوله. إن ما يعيق عمليات الإستشعار هو إنجذاب الفكر وحصره دوماً بالعالم المادّي، وعدم إدراك حقيقة الكائن خلف هذه المظاهر الماديّة. وهذا ما لحظه العالم الطبيعي “آرثر أدينجتون Arthur Eddington ” حين قال بأن البشر ليس لديهم أدنى فكرة عن معنى حقيقة الوجود لأي شيء سوى ما تراه أعينهم.

كل شيء في الكون يتمدّد ويتقلّص ، إنه قانون الخلق أي خلق الأشياء، وقانون إستدامة الحياة والحفاظ على وجودها، وقانون التطور. فالشيء يُخلَق ويُحافَظ على وجوده ويتطوّر ويصل الى ذروة تطوّره ثم يتلاشى ويضمحل. وقد جاءت النظريات والعلوم الحديثة لتُقرّ بأن الإنسان جزءٌ متمدّدٌ من هذا الكون، وأن الفكر البشري قادرٌ على التمدّد بشكلٍ يستطيعُ تجاوزَ محدوديّته، وبالتالي تجاوز حدود الزّمان والمكان. وفي هذه الحالة من التمدّد، قد يشعر الإنسان بأنه موصول بالكون، ويستمدّ قوّته وطاقته من هذا الكون بإعتباره جزءاً لا يتجزأ منه. وحالة التمدّد هذه، هي عمليات كيميائية في الجسم تحدث نتيجة الوعي، ونتيجة الشعور بالحبّ، والتعاطف مع الآخر، والرضا، والإنسجام مع موسيقى الذات، ومع قوانين الطبيعة … من هذا المنطلق، فإن كل حركة أو معلومة تصدر من الكون ، تتسرّب بطريقة إنسيابيّة عبر ما يسمى “أجهزة الوعي”، من دون أن تتعرّض لحواجز الفكر الكثيف؛ لأن الفكر في هذه الحالة، يكون أيضاً بحالة تمدّد، ممّا ينتج عنه قبولاً وتسليماً لأيّ فكرةٍ أو حالةٍ من دون تحليلٍ أو تعقيد. فيحدث للمرء أحياناً أن يقوم بعمل ما بشكلٍ إنسيابيّ عفويّ دون تحضيرٍ مسبقٍ له، كالكتابة مثلاً أو التكلّم بأمورٍ معيّنة، وكأن أحدٌ ما يمليها عليه، او كأن الكونَ يكتبُ أو يتكلّم من خلاله. ويَحدث أحياناً أن يتوقّع أحد ما حصول أمورٍ معيّنة قبل حدوثها بالفعل، الأمر الذي يؤدي الى الإستغراب من قبل بعض الناس الذين يقومون بتصنيف هكذا أمور، ووضعها في خانة الماورائيات، أو بما هو فوق الطبيعة. لكنه ببساطة هو عمل أجهزة الوعي في الإنسان؛ وهو قانون طبيعي يسمح بتمدّد طاقة الخلايا في الجسم، وإفساح المجال أمامها للعمل بشكلٍ تلقائيّ وفقاً لطبيعتها الحقيقية، ووفقاً لجوهرها التي أتت منه. وهذا ما أوضحته الإكتشافات العلمية الحديثة حول القوانين الطبيعية وكيفية إنبثاقها وعملها في الكون .

إن النظرة الجديدة للوعي تقوم على المعرفة المتأتية من إختبار الوحدة Unity، وتجاوز الأبعاد المادّية، والتعمّق في جوهر الأشياء. عند هذا المستوى، يصبح العالم أكثر وعياً وديناميكياً، لأنه يصبح موصولاً بالمصدر الموحّد للخلق وهو مصدر إبداعي للحياة.

إن معرفة هذا الواقع الكوني لا تقتصر على الفيزيائيين والرياضيين كما يزعم البعض، إنها تجربة مفتوحة لكلّ إنسان في أبسط حالة من الإدراك والوعي البشري، لإستخدام طاقاته الداخلية، وإستكشاف مستويات أعمق للعقل، وأدقّ في التفكير ، تتوافق مع مستويات أعمق من الذكاء في الطبيعة، وتؤدي الى الإنتظام على مستوى الطاقات العقلية وعلى مستوى وظائف الدماغ والجسم.

—————

كاتبة وباحثة في الّلاعنف وحقوق الإنسان – لبنان

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours