أخطر رحلات السندباد

كَتب / أ. د. حارث عبود

رَسا السندباد وأصحابه يوما على ظهر حوت هائل، ظنوه جزيرة صغيرة! ثم أشعلوا النار لإعداد طعامهم فانتفض الحوت، وقذف بهم إلى البحر.

تتذكر تلك القصة وأنت ترقُب تململ الذكاء الاصطناعي بين يديك. تسأله في شتى العلوم فيجيبك على الفور بالنص والصوت والصورة الناطقة، ويترجم حديثك إلى أية لغة تشاء، ويكتب لك القصة والشعر ويزودك بالأبحاث وخطط العمل. وهو طبيبك ومحاميك وأنيس وحدتك. يدير المؤسسات والشركات، ويصمم الطرق والمباني ويدير حركة وسائل النقل، ويشن الحروب المدمرة.

كل ذلك وهو لم يزل بعد طفلا كما يطمئنك العارفون، فكيف بهذا الطفلِ إذا شب عن الطوق؟

العديد من الأبحاث والكتب وتقارير المنظمات الدولية تفيد بأن 40 إلى 60% من الوظائف في العالم ستختفي خلال عامين، وفي مقدمتها الوظائف الهندسية والصحية و الكتابية والإدارية والتعليمية والعسكرية مما يعني غياب الأمن الوظيفي والاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة. بينما تفيد دراسات أخرى أن الذكاء الاصطناعي سيتيح فرص عمل مستحدثة تتناسب مع احتياجات الإنسان المتجددة.

وتشير التوقعات إلى أن الذكاء الاصطناعي سيتمكن في العقدين المقبلين من تطوير قدراته ذاتيا فيما يدعى “التفرد التكنولوجي”، ولن يستطيع البشر كبح جماحه إن لم يسارعوا إلى لجمه قبل بلوغ منتهاه، وإلا فسيتعرض السلم الاجتماعي إلى الخطر بل وجود البشرية برمته.

هل نحن أمام ثورة حضارية رابعة بعد الثورة الصناعية، وثورة الحوسبة، وثورة الإنترنت؟ أم إنه أكبر من ذلك، تحول حضاري تاريخي يتخطى حدود المنطق المتداول في التفكير، ويعيد ترتيب أولوياتنا في العلم والتحليل والفلسفة، بل وفي الذائقة والمشاعر والمسلمات كذلك؟

السؤال الأخطر من ذلك، هل سيستطيع البشر توظيف الذكاء الاصطناعي لمزيد من الاستكشاف والابتكار، وتطوير صيغ الحياة بما يجعلها أكثر أمنا وأرحب معنى؟ أم ستحتكره القوى المتحكمة في عالم اليوم لتَحرِف بوصلته، وتبعثر ما حفلت به خزائننا من فكر ومخزون وجداني وتطلعات؟ وما دورنا نحن العرب في كل ما يجري؟

هل سنطرق بوابات هذا التحول العظيم بقوة كغيرنا؟ أم ترانا سنكتفي بالدعاء، ألا ينتفض الحوت فجأة، فيلقي بنا إلى عرض البحر كما فعل مع السندباد؟

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours