غواية محمد صابر عبيد الشعريّة في مجموعته “الأخضر الأبجديّ”

حسن عبدالحميد

حين سَأل جلال الدين الرومي صديقه شمس الدين التبريزي،عن كيف تبرد نار النفس؟ أجابه:بالإستغناء،إستغنِ يا ولدي، فمَنْ تَرَك مَلكَ، حينها رّد الرومي: وماذا عن البشر؟
قال: هم صنفان، من أراد منهم هجرك وجد في ثُقْب الباب مخرجاً، ومن أراد ودّك، ثَقبَ في الصخرة مدخلاً.
شِئتُ التوّقف -قصداً- عندما ما دار بين الرومي والتبريزي أمام عبارة “مَنْ تَرَك … مَلكَ”، تلك التي أستهل بها د.محمد صابر عبيد مجموعته الشعرية ” الأخضر الأبجدي” الصادرة بطبعتها الأولى عن دار أواهل ببغداد في العام/2023، فيما جرى حفل توقيعها في المركز الإكاديمي الإجتماعي في أربيل-عنكاوا ثلاثاء الثالث من كانون أول للعام /2024، كونها “أي تلك العبارة” جاءت بمثابة مفتاح،تماهٍ يفضي لسعة طرح تكاثفي، تداولي ما بينه “أي والمعنى”وما بين الأخضر الأبجدي”كمجرى” أو مخرج،كان قد صاغ حيثياته وتواليات وجوده وتجوهرات حضوره الذهني والرمزي .

الشاعر-الناقد نفسه

 بفعل وديمومة أثر تفاعله في مِلاك مجريات هذه المجموعة،”بأقل ما يمكن من التفاصيل، بحثاً عن سّر المعنى” كما تماثل وتوارد ذلك في مستهل أولى نصوص المجموعة/ ص5،حيال تَرِك النصّ بلاعنوان،مكتفيّاً بالإنضواء بعبارة شمس التبريزي “مَنْ تَرَك …مَلك”،لتكون تلك هي سمة وعلامة الأخضر بأبجدياته التي سارعلى منوالها في تتبعات خطوات أثنين وأربعين نصّا شعريّا هي ملاك هذا الجهد الإبداعي في حياة ناقد بارز ملأت سمعته دنيا الأدب،فيما كادت سمة وتسمية الشاعر من نهج سيرته التداوليّة أن تغرب، سنجد ما يُعاضد ويُساند هذا الزعم حين نُعيد رسم هذه المعادلة،إعتماداً وتأكيداً عبر ما ورد على لسانه في سياق سطور آتيات -لا مناص-.

محمد صابر عبيد

الشاعر-الناقد
إستهال كهذا أَهجسهُ يتوافد صوب جملة إستفاهامات من شأنها تعزيز ثقة الناقد بملكات نزق الشاعر وما يسكنه من رؤى وعوالم وأخيلة وتجليات، والعكس، وإن تماهى الإثنان -معاً-  سيبدو صحيحاً،بحسب ما أدلى به وأفاد د.عبيد في متن كلمته لمجلة “أبن خلدون” الاكاديمية المحكمة الصادرة في المانيا العدد الثالث/2024 الخاص بتناول تجربته الشعرية، بما نصّه؛” تجربتي الشعريّة التي لم تحظَ بالعناية التي تستحق، ذلك أنّ شخصيّتي النقديّة ذات الطبيعة الأكاديميّة غطّت تقريباً على تجربتي الشعريّة،وصار اسمي النقديّ أشهر وأوسع وأكثر تداولاً من اسمي الشعريّ “، كما سنراه لا يكتفي بذلك،بل يصرّ بأن يضيف مُتبّجحاً ليقول؛”تجربتي الشعريّة أسعدتني كثيراً لأنّني أحسب نفسي شاعراً بالدرجة الأولى، وأحسب أنّني طوّرت نموذجي الشعريّ بقوّة وحرص وتركيز طيلة السنوات الماضيات في ظلّ “قصيدة النثر”، على نحو جعل من قصيدتي علامة مميّزة أعدُّها من العلامات المميّزة -بل النادرة- في الشعريّة العربيّة الحديثة.”، وفي خلاصة كلمته يَخلص إلى إنه كان قد أصدر ما يقرب من عشر مجموعات شعريّة،وشاء أن أبتدأ- بحسب زعمه- بقصيدة التفعيلة،وأنتهى إلى قصيدة النثر،
يرى البعض من المهتمين والباحثين النابهين في مجال إيجاد محاولات فصل عُرى الشاعر عن مهام وقناعات الناقد،أو بالعكس، من أن الشاعر قلمّا يكون ناقداً،وإذا ما حدث وكان،قد لايكون موفقاً،بارعاً -تماماً-،بل سيكون منحازاً لمنجزه،متمرداً على منجزات غيره،هنا تحضرني مقولة “أوسكار وايلد ” التي ترى بأن أعلى أنواع النقد لا يختلف عن أحطها،كونها -جميعاً- لا تتعدّى أن تكون تراجم لحياة النُقّاد أنفسهم -على الدوام-.

كما أجدني أستعير بعضاً مما جاء من مقالة ت.س. إليوت المعنوّنة “مهمة الشاعر والناقد” والتي يؤكد فيها على أن الشاعر الحقيقي والموهوب هو أول من يُمارس مهام النقد بإزاء نصوصه الشعريّة، والنقد كما هو معلوم،ممارسة مرهونة بالوعي.
ثمة من يعتقد في دواخل وخوالج كل شاعر مبدع وكبير ناقداً كبيراً،بمعزل عن مدى إعترفه بحقيقة تلك المَلكات والمواهب،أو عدمها، فالشاعر ناقداً -بشكل واخر-كما هو الناقد شاعراً،بعد إنتهار وسقوط مقولة الناقد شاعر أو أديب فاشل.

في معنى الغواية

بل هي الأقرب “نعني الغواية” للتنويه والتنوير منها لمجرد شرح لتمويه وتوضيح ،وإذا كان في معنى الغواية من يظّن ويرى فيه “الإنهماك في الغي”،أو شيىء ما يشبه الضلال والخيبة وما إلى ذلك من مقاصد خائبة،خالية من أية فحوى ومدى وعمق فإن أبن كثير الدمشقي لا يحد الغواية إلا بجعلها أحد قطبي ثنائية تميّز فيها ما بين “الغاوي” أو”الضال”،فالاول هو القاصد والعالم بالحق والعدل،فيما الثاني هو الجاهل الذي يسلك على غير هدى طريقا ما من غير فهم ودرايةعلم،أما والغواية في المصطلح الأساس و الرئيس لمن يدرس ويختص في “طباق المعاني” كما تطرّق إليها سيجموند فرويد من حيث كونها فعل إرادي ينتمي إلى مجال الشعور والعقل،لكن باعتبارها ضلالاً وغيّاً وهوى وشهوة، فهي فعل غير إرادي ينحدر من اللاشعور والرغبة، أما ومَفاد الغواية بمنحى التعارض الوجداني تجاه القانون سمة جوهرية للنفسية البشرية،أي وبهذا المعنى، سيعكس مضمون الغواية المزدوج تعارضاً وجدانياً تجاه المحرم أو ممنوع،والذي نحن لسنا بصدد تقصّيه في سِفر مجموعة الأخضر الأبجدي،كون الشعر أسمى وأصفى من كل ما يُماسس مثل تلك الأغراض الضلالية،وإن كان متهماً،ممسوساً ببعض مثل هذه النوايا والأمراض،من لدن البعض من أدعياء الفهم الأحادي وضيق الافق والسلفية.
لكن وفي تقييم عام لعوالم وتطلعات هذه المجموعة،نلمس ونرى كثافة الإختيار ورصانة الوصف لموضوعات تناولها الشاعر المحكوم والمتدّرع بخبرة نقديّة أثيرة وثقافة ثرية ومتنوّعة،على نحوٍ عالٍ من ثقة النصوص بروح السيطرة والوثوب وبراعة التمّكن في توريد معانيها وجسّ أعماقها،حتى ولو جاء ذلك على حساب غياب التلقائية وبراءة الدهشة المُحتملة والمتوّقعة على داوم ما ألفنا ودرجنا في الكثير من التجارب التي لم تُزل تؤمن بالسائد والمألوف، وبما يخالف ما ذهب إليه أكتافيو باث حيال تعريفه للشعر؛”على إنه فنّ تنظيم أحزان العالم”.

الأخضر بن يوسف

لم أظفر وأجد أي مقترب أو منحى يلامس أو يطأ أرض تخاطرات وتجلّيات مجموعة الشاعر الراحل الكبير سعدي يوسف “الأخضر بن يوسف ومشاغله”- بشساعة شهرتها،وشواهق عمقها-،وأنا أتمرى في مرآيا “الأخضر الأبجدي”،فليس من غرضٍ بعيدٍ أو قريب ترآى يجمع ما بين عملين تفصل بينهما قرابة خمسة عقود،سوى تضافر وتثامر”من ثمرة” فكرة البحث عن المعنى،ومهمة خوض معركة حرب خاسرة،أو حتى في “حرب الحُبّ” التي أبتكرشكلها د.محمّد صابرعبيد وتناولها في متن قصيدته “مأتم”ص11،-فضلاً عن فكرة أو موضوعة الإستغناء،التي تغنّى بها التبريزي نا صحاً بها صديقه وتلميذه الرومي، وأستلهم منها الشاعر-الناقد وأستنشق من أريج عبيرها وسواند قوتها ما شاء يستلهم ويهضم ليجسّد بجدارة جهد وسوانح فعل ثقافته وأفاق رؤاه على نحو تَغلّبت فيه روح الغواية وقدر المغامرة التي أقدم عليها بدراية وتمكّن خبرة وسعة رصد وبث نصائح لعب حاذق،وفق تقديرات إحترافية تجتاح أنطقة الاحاسيس و مألوفية المشاعر،بعد أن أجرى عليها بعض تحسينات خلق ومساعي تدجين دفعت بنصوصه لتكن بمثابة قناديل تنير طُرق الأخضر الأبجدي أكثر ما تُضيء لغيره،يقول في نصّ ٍ يتكوّن من ثلاثة مقاطع انضوى بأسم “لعبة” توالى على ص141-142-143،نختطف منها شذرات نصائح تفيد بأن لتقول في مقطعها /1؛”لا تُحدّق كثيراً فيما لا ترى/لا تطرق الباب أكثر من مرّة واحدةِ/لا تُصغ لوقع حوافر الخيل المهزومة/لا تتقصّد فتح فمكَ أوسع من حجم الكلمات/لا تَسط ُعلى أحلام غيركَ”،ومن المقطع/2 نختار”أفِق ……….! فالبصيرة أقدرُ من البصر على رصد المحال/يستخفُّ البابُ بأصابعك حين تطرقُ كثيراً”،فيما سناخذ جميع ما حواه المقطع/3 لترابط قصد مأ اراد الشاعر؛” امسك طرف الشمال بيد/وطرف الجنوب باليد الأخرى/امسك طرف الشرق بيد/وطرف الغرب باليد الأخرى/ستدرك بأنك لن تحتاج إلى أيادٍ أربع/بل إلى واحدة على الأرجح”،عساني أستذكر -هنا- عبارة بارعة لشكسبير ترى بالنصيحة على إنها أردأ أنواع الفضيلة.

أربيل- عنكاوا

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours