بقلم / حسن عبدالحميد
” في بحثك عن الحقيقة كُن متأهباً دوماً لما هو غير متوّقع،لان الحقيقة منهمكة في البحث عنها..وباعثة على الحيرة عند إيجادها.”
-هيراقليدس –

يُبرهن -مُجدداً- الكاتب والروائي الكبير”أمجد توفيق” ثقة مهارات وقدرات تبنّيه إجراءات كشف وتحليل وتأبير نقاط لما هو ضامر ومخفي ومكتوم في طيّات ودهاليز نفوس وتصوّرات أبطاله -هنا، على أقل تقدير وتذكير- سنلمس بعض ذلك واضحاً في ربوع روايته “زمن الأجوان”
الصادرة هذا العام عن منشورات الإتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق،وبالقدر الذي يؤّهلهُ فضح ومنح من ينتقي أختيارهم وإعتمادهم شخوصاً وأبطالنا لأعماله، بحاصل رسم سمات وتوضيح سلوكيات تترواح وتتأرجح على منوال ما تشاء سلطة السّرد،من حيث تبِعات إحاكة الأحداث وتحديد أُطر الشخصيات وفق وقائع -ربما- تكون مُحتملة، وبدعم إسناد تصوّرات وتقديرات تتفق- بشكل وأخر- مع ما يبغيه ويصبو إليه السارد،بأثر مهارات وتسويات تَحكُّم قدري بخواص مصائر ومسارات ما أنتقى وأختار وتفاعل معهم “اي أؤلئك الشخوص”سواء بالمع أو بالضّد منهم، بتسهيل مسارب تماهيات وتداخلات ما بين ثنايا الذات وخواص طبيعة الآخر، يقيناً إن ذلك ليس بالأمر الهيّن، ولا بالسعي السهل، فثمة ظلال يقتفي شواخصها من يتمّتع بقدرٍ عالٍ في إرتقاء سلالم التخيّلات وضخ التوّقعات وتفويض الأمنيات أوالتمنيّات التي تُخالجه،ربما بغاية حرصٍ وضرورات يقظة ودواعي فهم في ترسيم الحدود الفاصلة ما بين محدوديّة الواقع وجموحات الخيال، تسطع وتتلامع في ذهني عبارة كان قد قالها- العبقري غابير غارسيا ماركيز- واثقاً؛” نحن نُهيّىء الواقع..لكي نجعل منه أسطورة.”.

المصادفة والحظّ
———————
لعبت المُصادفات دوراً تتابعياًّ أثرَتْ وأثرّتْ -بشكل وأخر-على فاعليةَ تمشية أنساق ومسارات هذه الرواية، بماعززّت من فعل المُصادفة،والمصادفة
في عُرف القاموس الفلسفي وتعريفاته لا تتعدّى بأن تكون “إلتقاء نقيضيّن”،وما شاء وتصادف مع الكاتب والصحفي آدم الفراتي أُس وبطل الرواية،يُؤكد سطوة أثر الحظّ -الحظّ الذي يرى فيه ميلان كونديرا على إنه “إعجوبة حيّة”-،في تقرير وتقدير الكثير مما صادفه،أو سار مع آدم،في تتبع ملابسات كشف ولوامس لمس خيوط حادثة قتل أحد نشطاء ثورة تشرين، هوالشاب سيف داود أحمد الفحّام ،ولعل أولى تلك المصادفات وقوع ذلك القرص المُدمج الصلب الذي يشهد على خطفه وتعذيبه وقتله برصاص بندقيّة كلاشنكوف،على يد مجموعة مسلحة تابعة إلى مسعود الأجوان الزعيم السياسي المكنّى بأبي عبدالله المكنى،بحسب ما يرد في نص السطور الأولى للرواية،وكيف وقع القُرص شاهد الإثبات والدليل الدامغ والقاطع على بشاعة ووحشية ذلك الحادث بين يدي الكاتب والصحفي آدم،بعد أن جلبت انتباهه عبارة(خاص جداً) على ذلك القرص، الذي وصله بمثابة خطأً فادحٍ عن طريق “سمير” الذي يعمل سكرتيراً مقرّباً للزعيم مسعود، المالك لقناة فضائية تتيح له مساحة تصرّف أوسع بالوصول والحصول على نيل مطامعه ومطامحه،بدواعي أمل بأن يكتب آدم مذكرات مسعود ضمن إتفاق أولي بينهما لم ير النور، ولم يتحقق ذلك -أصلا-،تحضرني -هنا- مقولة أبن سينا “المُستعد للشيىء،تكفيه أضعف أسبابه، فكيف إذا كان ثقل وهول ذلك السبب يتعلّق بحادثة إنسانيّة “مقتل شاب”وقضية وطنية وفق ما جاء يتنادي بها أبطال ثورة تشرين “نريد وطن”.
اسطورة كلب أعمى
———————–
شاء آدم أن استلم صندوقين كبيرين ورسالة توضح ما فيهما من محتويات أولية خاصة بمذكرات السيّد الأرجوان،مع مفتاحي أقفالهما ،حوى أحد الصندوقيّن ذلك القرص.!
سؤال يتفادى الوقوع بفخ حُسن النيّة،أن كيف -مثلاً- أن ترتكب شخصية محنكة بمزايا الأرجون،متمرّسة وذات خبرة بنواحي ألتمسنا قوة حذره وحسّة الأمني الاستخباري،كما نوّه الراوي وأشار حيال ترسيم جوانب من سيرته الملتبسة،المرواغة وفضح ممارسات وسلوكيات مسعود غالب عبدالله الأرجوان،بوقع سيرته المتقلبة والمرهونة بجملة أحداث وتقلبات شهدها هذا المشبوه على طوال وعرض حياته وحياة والده وجده عبدالله “المؤكد إنه من عباد الله الذين عملوا في مصبغة ولفقره لم يكن أمامه ما يبدّل ملابسه الملّونة بالاصباغ،فلُقب بالأجوان”ص28 الرواية،تلا ذلك تناول سيرة والده غالب -ايضاً- الحافلة بالتقلبات والمناورات المشبوهه،وصولاً لمسعود الذي لًّفت به الدنيا،حتى غدا معارضاً للنظام العراقي،ثم جاء مع قوات الاحتلال الامريكي،وصار زعيماً سياسيّاً؟!.
وجدتُ ما يدعم من أثر وكثرة المُصادفات،إلى جنب العديد من المفارقات واللحظات السريعة والخاطفة،التي سبغت الرواية بأجواء بوليسيّة، تخللتها حالات رومانسيّة،وأخرى إباحية،مما شّد وعضّد من أتساق وأحداث عموم ما جرى،بيد أن ما يستدعي الوقوف عنده،أبتدءاً من حقيقة ما حوى القرص من تهديدات صريحة وبالاسماء الواردة على لسان قائد المجموعة المدعو جاسم أبو عبد والتي نفذت حكم أعدام سيف،وعن طبيعة العلاقة التي جمعت آدم بمقدمة البرامج ميادة التي كانت تعمل في القناة التي يملكها الأجوان، وما رافق سفرتهما الماتعة لأيام إلى سرسنك،شمال دهوك،وما حصل كل ذلك في البيت الحجري، المتكىء على سفح جبل،قبل أن يُقرارا الزواج بطريقة حضارية وسهلة وبموافقة وعلم أهلها-فيما بعد-،كذلك أسطورة الكلب الأعمى الذي عثرعليه سيف بالقرب من ساحة التحرير،وقام برعايته وصداقته قبل إستشهاده، حتى غدا بمثابة إعجوبة من حيث الفهم والوفاء،إلى جنب وجذب مشاعر ذنب حيدر صديق سيف جرّاء دعوته لحضور حفل زواج حيدر بذلك اليوم الذى تمّ فيه أختطافه،يضاف إلى ذلك عثور آدم على دفتر مذكرات سيف مصادفة في غرفة نومه-تحديداً-حال زيارة أمه وأبيه في بيتهم،فضلاً عما جرى عليه حال اختطاف آدم عند خروجه من الحلاقة وأستجأر سيارة أجرة، إيضاً من قبل جماعة الارجوان، جملة مواقف ومصادفات كما لو إنها جاءت بإرادة طوعيّة ،واعيّة من لدن السارد.وأهواء تمنيه بإدارة مقود الاحداث و تهيئة الظروف بما يتلائم ومسارات ما أرادت قوله الرواية بلغتها الطيعة والطرية، العميقة والرشيقة،الصافية والخالية من الزواد و الأطناب،من تلك التي تتمتع بها أعمال أمجد القصصية والروائية،فضلاً عن عمق الرؤى الفلسفية والنفسية والحكم والنُصح الراقي التي تتسم بها وتتسق عموم أعمال أمجد توفيق.
ذكرى ضحيّة
—————–
في خلدى وذاكرتي ترآت لي بعضاً من ملامح أجواء ومصادفات،كانت قد تضافرت وتساوقت بشكل عجيب، ومقبول في شواهد سّرد بما يتعلّق بعوالم وممكنات الواقعيّة السحريّة، حيث تجلّى ذلك لي بمراجعة ذهنية لما تبقى من صدى عمل لماركيز العظيم مضى عليه زمن بعيد-من الآن- هو”وقائع موت مُعلن” العمل الذي حمل -ايضاً- عنواناً مضافاً لأصل أسم الرواية التي شاع ذكرها حيال نشرها في العام/1981 هو”ذكرى ضحيّة”،من بعد خيط من غشاوة وبواعث تلميح، مُتسم بتعزيز وتعميد فعل وأثر القراءة والذاكرة،فلا مناص من دواعي العودة لهذا العمل الكبير،لنجد فيه ما يشف ويتقارب من جملة مصادفات خلقها أو أجترحها ماكيز لبطل روايته الضحيّة البريئة عبر جريمة قتل شاب فى ريف كولومبيا عام 1951من أصل عربي يُدعى “سانتياغو نصّار” قبل عقدين ونصف من زمن كتابة فصول حكاية ما حملت الرواية من قبل ماركيز،الذي شاء وأن فوّض بأن تُروى القصّة على لسان راوٍ لا يرد أسمه -أصلاً-،بعد أن شغلته موضوع الحدث، وأغراه فضول معرفة أسباب الحيرة و دواعي الصمت المطبق،الذي خيّم على جميع سكان ذلك الريف،
هل ثمة شبح شبهٍ ما بين عمل ماركيز،و زمن أرجوان أمجد توفيق؟! الجواب ..لا أظنّه يقبل أكثر من وهم إحتمال.




+ There are no comments
Add yours