بحبر/ رئيس التحرير
نكأ جرح الحقيقة جوهر الموضوع الذي تناولته وأثارت حممه وبراكينه الكاتبة والمترجمة والروائية الكبيرة لطفيّة الدليمي، فيما يتعلّق بمخاطر ما أحرزته التطوّرات الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، وعن مدى أثر امتدادات آثار التحوّلات الرقمية المذهلة التي غزت وستغزو أكثر مستقبل البشريّة، بلا أدنى صدّ وشكٍّ، وهي تؤشّر باتجاه خطورة الشرائح الإلكترونية التي أخذت تقتحم أدمغة البشر لتحل محل منظومة قواعد القيم والدوافع والحاجات الأخلاقية والإنسانية -البحتة-، بعد أن أضحت شريحة “نيورالينك” تساعد العقل على تشغيل الأجهزة بغية منح المشلولين القدرة على الحركة أو فاقدي البصر القدرة على الإبصار. -وبحسب اعتقادها- فإن استعمال هذا النوع من الشرائح سيقوم -كذلك- على تحفيز سلوكيات عدوانية متعددة تنتج عنها الحروب والتجسس والسيطرة على عقول مجاميع بشرية بأكملها.
لعل إكمال نبل الغايات المثلى التي جهدت تسعى إليها لطفيّة الدليمي في سياق وأنساق ما تناولت حول دواعي الحديث عن نمو الإنسان أم نمو الاقتصاد؟! وشاء أن أوضحت وأشارت صوب الاتجاهات المرّوعة الرامية للهرء والتفاهة وهمّات ملأن رؤوس الناس، في وقت تهمل أو تتجاوز فيه قضايا الروح وعقل الإنسان، وتذكر وفق توريد أمثلة، كيف أخذ “السيليكون” يفيض من أثداء الأمهات عوضاً عن الحليب، وكيف للشفاه “الرقيقة المخلوقة للقبلات والهمس” أن تنتفخ حتى تتدلى مثل براطم البعير، والوجنات الرقيقة تورّمت بالبوتكس وما عادت صالحة لقبلات الصغار. فضلاً عن تهاوي الثقافات وهي تلتهم نفسها، وأن التوحّش بات يتفاقم والحروب تتسع، وتغدو التفاهة ديانة عصرنا، وأن “الحرب صارت أخلاقيات السياسة الوحيدة تفرضها الدول المتغطرسة والأنظمة المجرمة دون رادع أخلاقي أو قانوني.”
ولعل ما اطّلعت عليه في ثنايا ذلك الموضوع الأثير والمثير، قد أخذ بي نحو ما كنت قد تناولته في مقالين سابقين؛ الأول أستظل بعنوان “البقاء للأذكياء.. من أثرياء العالم”، والذي نوّهتُ فيه عن المؤتمر العالمي الكبير الذي أقيم في لندن يوم الأول من تشرين الثاني/ 2023، بحضور عدد من قادة السياسة في العالم وممثلين عن كبريات شركات التكنولوجيا والبرمجيات، وجرى مناقشة واقع التحديات التي ستواجه مستقبل البشر حيال إحلال تكنولوجيا الذكاء الصناعي محل الأيدي العاملة، وغيرها من مقتربات تداعيات هذه التحوّلات الخطيرة. وقد تمّ تسجيل شهادة “إيلون ماسك” التي أدلى بها عند لقائه رئيس الوزراء البريطاني أثناء انعقاد المؤتمر، الذي أشار فيه إلى مدى قوة وخطورة التحدّي الذي ستواجهه البشرية إن اضطرت أن تقف خانعة، خائفة، ومستسلمة، لا تدري ماذا تفعل وحقيقة ما ينتظرها من مستقبل مقلق، مظلم، جرّاء ما سينعكس من نتائج متوقعة. قد يتحوّل العالم فيه إلى ساحة صراعات وحروب تكنولوجيا ماحقة تنحصر أدواتها بعدد قليل من الشركات الكبرى سواء في أمريكا أم الصين.
فيما تناول مقالي الثاني والمعنوّن “هروباً إلى المريخ”، الذي لخّصتُ فيه ما كان قد أشاعه “إيلون ماسك” بذكائه ومرحه الحاد، حين كان يلجأ بصدد تشجيع أو إغراء الأثرياء عبر التحريض أو بالتشويق بالهرب إلى المريخ من خلال تخويفهم بمخاطر الحروب القادمة، ناصحاً إيّاهم اتباع ذلك حلاً أمثل، خاصة بعد أن نتج عن عدم اتفاق مبدئي حول رسم خطط مستقبلية تسعى إلى أن تحدّ أو تبعد شبح النواتج الوخيمة والمحتملة من وطأة الاستخدام السيئ والسلبي لمثل هذه التحوّلات المهولة التي باتت تجتاح العالم وتربكه حدّ الهلع!!
ح.ع. الحميد




+ There are no comments
Add yours