بمنأى عن السياسة

الإنسان الذي نريد..الدولة التي نبحث

د. عائد الهلالي

ربما آن لنا أن نغادر قليلاً ضجيج السياسة، لا لأنها لا تعنينا، بل لأن الإنسان أكبر من أن تختصره نشرة أخبار، أو موقف سياسي، أو معركة انتخابية، أو جدل لا ينتهي حول من يحكم ومن يعارض. آن لنا أن نلتفت إلى السؤال الذي يسبق كل الأسئلة: أي إنسان نريد أن نصنع؟
فالدولة التي نحلم بها ليست مجرد مؤسسات ترتفع فوق الأرض، ولا قوانين تصطف في الكتب، ولا أبنية تزدحم بالموظفين. الدولة، في معناها الأعمق، هي انعكاس للإنسان الذي يعيش فيها. فإذا استقام سلوك الإنسان، وجدت الدولة طريقها إلى الاستقامة؛ وإذا استسلم المجتمع للفوضى، فلن تنقذه كثرة القوانين، مهما بلغت صرامتها.
لقد اعتدنا أن نبحث عن الدولة القوية في السلطة، وعن هيبتها في الإجراءات، وعن حضورها في الشوارع. لكن الدولة القوية في حقيقتها هي التي تستطيع أن تجعل احترام القانون عادةً اجتماعية لا خوفاً من العقوبة، وأن تجعل احترام الآخر ثقافةً راسخة لا مجاملة عابرة.
نحن بحاجة إلى إنسان جديد، لا بمعنى أن نهدم الإنسان الذي عرفناه، بل أن نحرر فيه ما أرهقته السنوات من طاقات وقيم وفضائل. إنسان يعرف أن الحرية ليست أن تفعل ما تشاء، وإنما أن تعرف أين تبدأ حريتك وأين تنتهي حقوق الآخرين. إنسان لا يرى في الاختلاف تهديداً، ولا في الحوار هزيمة، ولا في الاعتذار انكساراً، ولا في الاعتراف بالخطأ نقصاً في الكرامة.
نريد إنساناً إذا وقف في طابور لم يبحث عن ثغرة ليتقدم على الآخرين، وإذا جلس في حديقة عامة لم يتعامل معها كأنها ملك مهجور، وإذا قاد سيارته تذكر أن الطريق ليس ميداناً لإثبات القوة، وإذا دخل دائرة حكومية أدرك أن الموظف أمامه إنسان، وأن كرامته لا تُقاس بوظيفته ولا بملابسه ولا بموقعه الاجتماعي.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة أمام مشكلات الدول الكبرى، لكنها في الحقيقة هي المادة الخام للحضارة. فالحضارة لا تبدأ من ناطحة سحاب، وإنما من سلوك إنسان. ولا تُقاس فقط بعدد الجامعات والمطارات والمشاريع، وإنما بقدرة الناس على أن يعيشوا معاً من دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، والشارع إلى ساحة صراع، والمصلحة الشخصية إلى حق مكتسب على حساب الآخرين.
الدولة التي نبحث عنها تحتاج إلى مواطن لا ينتظر منها كل شيء، كما تحتاج إلى مؤسسات لا تترك المواطن وحيداً أمام الفوضى. إنها علاقة متبادلة: الدولة تحمي القانون، والمواطن يحترمه؛ الدولة تصون الكرامة، والمواطن يصون كرامة الآخرين؛ الدولة تفتح أبواب الفرص، والمواطن يحول الفرصة إلى عمل وإنتاج ومسؤولية.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة بناء السلوك.
فالإنسان لا يولد وهو يعرف كيف يحترم الوقت، أو كيف يحافظ على المكان، أو كيف يتحاور، أو كيف يتعامل مع المختلف. هذه كلها أشياء تُكتسب. الأسرة تزرع بذرتها الأولى، والمدرسة تهذبها، والجامعة توسع أفقها، والإعلام يستطيع أن يرفعها أو يهدمها، والمجتمع إما أن يكافئ السلوك النبيل أو يجعل صاحبه يبدو غريباً بين الناس.
ولهذا فإن مشروع بناء الإنسان ليس ترفاً ثقافياً، ولا حديثاً مثالياً يصلح للكتب والمناسبات. إنه مشروع دولة بامتياز. لأن الدولة التي لا تستثمر في الإنسان ستظل مضطرة إلى إنفاق المزيد من الجهد والمال والسلطة لمعالجة نتائج السلوك الخاطئ.
ولعل أخطر ما نحتاج إلى مواجهته اليوم هو أن بعض السلوكيات الخاطئة بدأت تتحول من استثناء إلى عادة، ومن عادة إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى شيء يُدافع عنه وكأنه حق. وحين يصبح الخطأ مألوفاً، يصبح إصلاحه أصعب من اكتشافه.
لذلك لا ينبغي أن نسأل دائماً: من سيبني لنا الدولة التي نحلم بها؟ بل علينا أن نسأل قبل ذلك: من سيبني الإنسان القادر على حماية هذه الدولة؟
إن العراق لا تنقصه الطاقات، ولا العقول، ولا التاريخ، ولا القدرة على النهوض. ما نحتاجه هو أن نعيد ترتيب علاقتنا بالحياة؛ أن نمنح الإنسان مساحة أوسع من مساحة السياسة، وأن نعيد الاعتبار للعمل، والوقت، والجمال، والرياضة، والمعرفة، والنظام، والذوق، والمسؤولية، والرحمة.
لقد أرهقتنا السياسة حتى كادت تصبح طريقة تفكير لا موضوعاً للنقاش. وربما آن لنا أن نفتح نافذة أخرى؛ نافذة نرى منها الإنسان لا بوصفه ناخباً أو تابعاً أو مؤيداً أو معارضاً، وإنما بوصفه إنساناً يريد أن يعيش حياة تستحق أن تُعاش.
ومن هنا يبدأ الطريق.
فالدولة التي نبحث عنها ليست في مكان بعيد. إنها تبدأ من البيت، من المدرسة، من الشارع، من طريقة حديثنا مع بعضنا، من احترامنا للوقت، ومن قدرتنا على الاعتذار، ومن أمانتنا حين لا يرانا أحد.
نحن لا نبني الدولة أولاً ثم نبني الإنسان؛ نحن نبني الإنسان، فتنهض الدولة به.
ولهذا، ربما يكون أجمل مشروع نبدأ به الآن هو أن نخرج قليلاً من السياسة… ونعود إلى الإنسان.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours